من أحكام، وهلم جرا.
في حين أنه إذا كان الحاسب في حوزة شخص خارج مسكنه، فإن تفتيشه عندئذٍ يخضع للقواعد ذاتها التي يخضع لها تفتيش الشخص بوصفه أحد متعلقاته، يستوي أن يكون الحائز هو مالك الجهاز أم سواه.
ومن ناحية أخرى، وهو الأهم الذي يعنينا بالذات، أن التفتيش وما في حكمه قد يرد على الجانب المنطقي للحاسوب، المتمثل في المعلومات والبيانات المعالجة إلكترونيًا، وهي محل جدل كبير حول صلاحيتها لأن تكون موضوعًا للتفتيش والضبط من عدمها [1] . فثمة اتجاه يرى أن هذه المكوّنات المنطقية لا تصلح بطبيعتها لأن تكون كذلك، على اعتبار أن التفتيش يهدف في المقام الأول إلى ضبط أدلة مادية، وهذا يستلزم وجود أحكام خاصة تكون أكثر ملاءمة لهذه البيانات اللامحسوسة.
وفي المقابل، انبرى اتجاه آخر مؤدّاه أن المكونات المعنوية لا تختلف عن الكيان المادي للحاسب الآلي من حيث خضوعها لأحكام التفتيش وما في حكمه، بدعوى أن البيانات، التي هي عبارة عن نبضات إلكترونية، قابلة للتخزين على أوعية أو وسائط مادية كالأشرطة الممغنطة والأقراص والأسطوانات، كذلك يمكن تقديرها وقياسها بوحدات قياس خاصة معروفة، وعلى هذا الأساس تكون صالحة كموضوع للضبط والتفتيش شأنها شأن الوسائط المادية ذاتها.
وبتقديرنا، فإن الاتجاه الأول أكثر منطقية؛ ذلك أن القواعد التي تحكم التفتيش والضبط إنما وُضِعت في زمن مبكر وقبل ظهور الحاسوب وتطبيقاته، وأيًا كانت المبررات التي ساقها معتنقو المساواة بين الكيان المادي والمنطقي، فإن طبيعة البيانات المعالجة تتطلب قواعد خاصة تحكمها بدلًا من محاولة تطويع القواعد التقليدية وتوسيع نطاقها، وهذا يتأتّى من خلال إجراء تعديل عليها من شأنه توسيع نطاق الأشياء التي تكون مشمولة بالتفتيش والضبط وتضمينها من الأحكام بما يتلاءم ومتطلبات هذه التقنية الجديدة. فالنصوص الخاصة بالتفتيش بمعناه التقليدي لا ينبغي إعمالها بشأنها مباشرة، باعتبار أن هذه النصوص تمثل قيدًا على الحرية الفردية، ومن ثَم يصبح القياس على الأشياء المادية محظورًا لمنافاته الشرعية الإجرائية.
وباستقراء موقف التشريعات الحديثة نجدها قد ذهبت إلى تأكيد هذا الاتجاه، بحيث أضحت المكونات المعنوية للحاسب الآلي ضمن الأشياء التي تصلح أن تكون محلًا للتفتيش والضبط. ففي التشريع الأمريكي على سبيل المثال تقضي المادة (34)
(1) ـ أسامة المناعسة وآخرون، ص 278 وما بعدها؛ د. هشام رستم، ص 64 وما بعدها؛ عطية بوحويش، ص 96 وما يليها.