لا يوثق بفاسق في الشهادة على فلس، فكيف يولى أمور المسلمين كافة، والأب الفاسق مع فرط حَدَبه وإشفاقه على ولده لا يعتمد في مال ولده، فكيف يؤتمن في الإمامة العظمى فاسق لا يتقي الله؟ ومن لم يقاوم عقله هواه ونفسه الأمارة بالسوء، ولم ينتهض رأيه بسياسة نفسه فأنى يصلح لسياسة خطة الإسلام؟

وإذا انتشرت من خطة المملكة الأطراف وأسبلت العماية دون معرفتها أسداد الأعراف، ولم تطلع شمس رأي راعي الرعية على صفة الإشراق والإشراف، امتدت أيدي الظلمة إلى الضعفة بالإهلاك والإتلاف

وقد اشتملت آية الوضوء على بيان بالغ فيه، فليتخذها أهل الزمان مرجعهم، فهي أصل الباب، وسيتلى القرآن إلى فجر القيامة

الذي أراه أن القيام بما هو من فروض الكفايات أحرى بإحراز الدرجات، وأعلى في فنون القربات من فرائض الأعيان

وأهم المطالب في الفقه التدرب في مآخذ الظنون في مجال الأحكام، وهذا هو الذي يسمى فقه النفس وهو أنفس صفات علماء الشريعة

الأصول التي قدرنا بقاءها كلياتٌ مسترسلةٌ، لا تعلق لها بالغوامض

وإذا لم تكن الإيالة الضابطة لأهل الإسلام على الإلزام والإبرام، كان ضيرها مُبِراً على خيرها

وقد اتفق المسلمون قاطبة على أن لآحاد المسلمين وأفراد المستقلين بأنفسهم من المؤمنين أن يأمروا بوجوه المعروف، ويسعوا في إغاثة كل ملهوف، ويشمروا في إنقاذ المشرفين على المهالك والمتاوي والحتوف

حملة الشريعة، والمستقلون بها هم المفتون المستجمعون لشرائط الاجتهاد من العلوم، والضامون إليها التقوى والسداد

ونحن نرى للإمام المستجمع خلال الكمال، البالغ مبلغ الاستقلال ألا يُغفل الاستضاءة في الإيالة وأحكام الشرع بعقول الرجال فإن صاحب الاستبداد لا يأمن الحيدَ عن سَنن السداد، ومن وفق للاستمداد من علوم العلماء، كان حرياً بالاستداد، ولزوم طريق الاقتصاد

وليس بالخافي على ذوي البصائر أن الدول إنما تضطرب بتحزب الأمراء، وتفرق الآراء، وتجاذب الأهواء

والذي عليه التعويل في الجملة والتفصيل أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شهدوا، وغبنا، واستيقنوا عن عيان، واستربنا، وكانوا قدوة الأنام، وأسوة الإسلام، لا يأخذهم في الله عذل وملام لا يؤثرون على الحق أحداً، ولا يجدون من دونه ملتحداً

لا يخفى على أهل الزمان الذي لم تدرس فيه قواعد الشريعة، وإنما التبست تفاصيلها أنّا غير مكلفين بالتوقي مما لا يتأتى التوقي عنه، ولا يخلو مثل هذا الزمان عن العلم بأن ما يتعذر الصون عنه جداً، وإن كان متصوراً على العسر والمشقة معفو عنه

مآخذ الشريعة مضبوطة محصورة، وقواعدها معدودة محدودة؛ فإن مرجعها إلى كتاب الله تعالى، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والآي المشتملة على الأحكام وبيان الحلال والحرام معلومة، والأخبار المتعلقة بالتكاليف في الشريعة متناهية

والتيقظ والخبرة أس الإيالة، وقاعدة الإمرة، وإذا عمَّى المعتدون أخبارهم، أنشبوا في المستضعفين أظفارهم، واستجرؤوا ثم على الاعتداء، ثم طمسوا عن مالك الأمر آثارهم ويخون حينئذ المؤتمن، ويغش الناصح، وتشيع المخازي والفضائح

ومما ألقيه على المجلس السامي: وجوب مراجعة العلماء فيما يأتي ويذر؛ فإنهم قدوة الأحكام وأعلام الإسلام، وورثة النبوة، وقادة الأمة، وسادة الملة، ومفاتيح الهدى، ومصابيح الدجى، وهم على الحقيقة أصحاب الأمر استحقاقاً

لم ينحجز معظم الناس عن الهوى بالوعد والوعيد، والترغيب والتهذيب، فقيض الله السلاطين وأولي الأمر وازعين، ليوفروا الحقوق على مستحقيها، ويبلغوا الحظوظ ذويها، ويكفوا المعتدين، ويعضدوا المقتصدين، ويشيدوا مباني الرشاد، ويحسموا معاني الغي والفساد