وكل ما لا يعقل معناه، وأصله التوقيف، فالرجوع فيه إلى لفظ الشارع، فما اقتضى اللفظ وجوبه التُزم، وما لا يقتضي اللفظ وجوبه، فلا وجوب فيه؛ لأن التكاليف إنما تثبت إذا تحقق ورود أمر إلى المكلف

وقد اشتملت آية الوضوء على بيان بالغ فيه، فليتخذها أهل الزمان مرجعهم، فهي أصل الباب، وسيتلى القرآن إلى فجر القيامة

لا يخفى على أهل الزمان الذي لم تدرس فيه قواعد الشريعة، وإنما التبست تفاصيلها أنّا غير مكلفين بالتوقي مما لا يتأتى التوقي عنه، ولا يخلو مثل هذا الزمان عن العلم بأن ما يتعذر الصون عنه جداً، وإن كان متصوراً على العسر والمشقة معفو عنه

لو فتر الزمان وشغر، كما فرضناه، وقام المكلفون على مبلغ علمهم بما عرفوه، ثم قيض الله تعالى ناشئة من العلماء، وأحيا بهم ما دثر من العلوم، فالذي أراه أنهم لا يوجبون القضاء على الذين أقاموا في زمان الفترة ما تمكنوا منه

الإمامة رياسة تامة، وزعامة عامة، تتعلق بالخاصة والعامة، في مهمات الدين والدنيا مهمتها حفظ الحوزة، ورعاية الرعية، وإقامة الدعوة بالحجة والسيف، وكف الخيف والحيف، والانتصاف للمظلومين من الظالمين، واستيفاء الحقوق من الممتنعين، وإيفاؤها على المستحقين

وتقدير خلو الدهر عن حملة الشريعة اجتهاداً ونقلاً نادر في التصوير والوقوع جداً ولو فرض والعياذ بالله، كان تقدير عود العلماء أبدع من كل بديع، فليلحق ذلك بالنادر الدائم

فمما أعرضه على الجناب العالي أمر يعظم وقعه على اعتقاب الأيام والليالي، وهو الاهتمام بمجاري الأخبار في أقاصي الديار؛ فإن النظر في أمور الرعايا، يترتب على الاطلاع على الغوامض والخفايا

وأهم المطالب في الفقه التدرب في مآخذ الظنون في مجال الأحكام، وهذا هو الذي يسمى فقه النفس وهو أنفس صفات علماء الشريعة

ونحن على اضطرار من عقولنا نعلم أن الشرع لم يرد بما يؤدي إلى بوار أهل الدنيا، ثم يتبعها اندراس الدين، وإن شرطنا في حق آحاد من الناس في وقائع نادرة أن ينتهوا إلى الضرورة؛ فليس في اشتراط ذلك ما يجر فساداً في الأمور الكلية

الوجه عندي أن يعتبر في البيعة حصول مبلغ من الأتباع والأنصار والأشياع، تحصل بهم شوكة ظاهرة، ومنعة قاهرة، بحيث لو فرض ثوران خلاف، لما غلب على الظن أن يصطلم أتباع الإمام، فإذا تأكدت البيعة وتأطدت بالشوكة والعَدد والعُدد، واعتضدت، وتأيدت بالمُنَّة، واستظهرت بأسباب الاستيلاء والاستعلاء، فإذ ذاك تثبت الإمامة وتستقر، وتتأكد الولاية وتستمر

ونظام الملك، وقوام الأمر بالإذعان والإقرار لذي رأي ثابت لا يستبد ولا ينفرد، بل يستضيء بعقول العقلاء، ويستبين برأي طوائف الحكماء والعلماء، ويستثمر لباب الألباب

ولا مطمع في وجدان نص من كتاب الله تعالى في تفاصيل الإمامة والخبر المتواتر معوز أيضاً؛ فآل مآل الطلب في تصحيح المذهب إلى الإجماع، فكل مقتضى ألفيناه معتضداً بإجماع السابقين، فهو مقطوع به، وكل ما لم نصادف فيه إجماعاً اعتقدناه واقعة من أحكام الشرع

معرفة الكتاب تستدعي لا محالة العلم باللغة؛ فإن من اقتصر على اتباع أقوال المفسرين وتحفظها، كان مقلداً، ولم يكن عارفاً

واجب الإمام نحو أصل الدين ينقسم إلى حفظ الدين بأقصى الوسع على المؤمنين، ودفع شبهات الزائغين وإلى دعاء الجاحدين والكافرين، إلى التزام الحق المبين

الإمام لا يستوزر إلا شهماً كافياً، ذا نجدة، وكفاية، ودراية، ونفاذ رأي، واتقاد قريحة، وذكاء فطنة، ولا بد وأن يكون متلفعاً من جلابيب الديانة بأسبغها وأضفاها وأصفاها، راقياً من أطواد المعالي إلى ذراها؛ فإنه متصد لأمر عظيم، وخطب جسيم، والاستعداد للمراتب على قدر أخطار المناصب

حملة الشريعة، والمستقلون بها هم المفتون المستجمعون لشرائط الاجتهاد من العلوم، والضامون إليها التقوى والسداد

وقد اتفق المسلمون قاطبة على أن لآحاد المسلمين وأفراد المستقلين بأنفسهم من المؤمنين أن يأمروا بوجوه المعروف، ويسعوا في إغاثة كل ملهوف، ويشمروا في إنقاذ المشرفين على المهالك والمتاوي والحتوف

الذي أراه أن القيام بما هو من فروض الكفايات أحرى بإحراز الدرجات، وأعلى في فنون القربات من فرائض الأعيان

وليست الإمامة من قواعد العقائد، بل هي ولاية تامة، ومعظم القول في الولاة والولايات العامة والخاصة مظنونة في محل التأخي والتحري