الصفحة 21 من 28

سنبينه قريبا، وأما اختلاف الأداء الذي هو من قبيل المد والإمالة والترقيق والتفخيم - ومما كان شيخنا العلامة محمد سالم محيسن يسميه: اللهجات العربية [1] ، وهكذا كان يسميه غيره - فليس لهذا تأثير على التفسير من وجه قوي، ولذلك ليس للمفسر أن يطيل بذكره، وإن نبه عليه في موضع واحد من كتابه فحسن، وإلا فلا تقصير.

وبنحو الذي قلنا كان العلامة الطاهر بن عاشور يقول.

فقد قال في مقدمة تفسيره: أرى أن للقراءات حالتين: إحداهما لا تعلق لها بالتفسير بحال، والثانية لها تعلق به من جهات متفاوتة.

أما الحالة الأولى: فهي اختلاف القراء في وجوه النطق بالحروف والحركات كمقادير المد والإمالات والتخفيف والتسهيل والتحقيق والجهر والهمس والغنة، مثل {عَذَابِي} [لأعراف: من الآية 156] بسكون الياء و {عَذَابِي} بفتحها، وفي تعدد وجوه الإعراب مثل {حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ} [البقرة: من الآية 214] بفتح لام يقول وضمها. ونحو {لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ} [البقرة: من الآية 254] برفع الأسماء الثلاثة أو فتحها أو رفع بعض وفتح بعض.

ومزية القراءات من هذه الجهة: عائدة إلى أنها حفظت على أبناء العربية ما لم يحفظه غيرها وهو تحديد كيفيات نطق العرب بالحروف في مخارجها وصفاتها وبيان اختلاف العرب في لهجات النطق بتلقي ذلك عن قراء القرآن من الصحابة بالأسانيد الصحيحة، وهذا غرض مهم جدًا لكنه لا علاقة له بالتفسير لعدم تأثيره في اختلاف معاني الآي ...

وأما الحالة الثانية: فهي اختلاف القراء في حروف الكلمات مثل {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة:4] "ملك يوم الدين"و"ننشرها"و {نُنْشِزُهَا} [البقرة: من الآية 259] و {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا} بتشديد الذال أو {قَدْ كُذِبُوا} [يوسف: 110] بتخفيفه، وكذلك اختلاف الحركات الذي يختلف معه معنى الفعل كقوله {وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ} [الزخرف:57] قرأ نافع بضم الصاد وقرأ حمزة بكسر الصاد، فالأولى بمعنى يصدون غيرهم عن الإيمان، والثانية بمعنى صدودهم في أنفسهم وكلا المعنيين حاصل منهم، وهي من هذه الجهة لها مزيد تعلق بالتفسير لأن

(1) وذلك في كتابه النفيس القراءات وأثرها في علوم العربية، وانظر الباب الثاني فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت