وبعد هذا كله نجد أن حجة اللغة الإمام ابن مالك يستشهد بهذه القراءة على صحة الفصل بين المتضايفين، فقال في الشافية الكافية:
وحجتي قراءة ابن عامر فكم لها من عاضد وناصر
وقد سبقه بالاستشهاد بهذه القراءة على صحة هذه القراءة أبو بكر الأنباري، فقال: هذه قراءة صحيحة، وإذا كانت العرب قد فَصَلَتْ بين المتضايفين بالجملة في قولهم:"هو غلامُ إن شاء الله أخيك"يريدون: هو غلام أخيك فأنْ يُفْصَل بالمفرد أسهل أهـ [1] .
وكان الكسائي بحث عن هذه القراءة لأجل الاستشهاد بها، قال ابن ذكوان:"سألني الكسائي عن هذا الحرف وما بلغه من قراءتنا، فرأيته كأنه أعجبه وترنَّم بهذا البيت:"
تَنْفي يداها الحصَى في كل هاجرة * نَفْيَ الدَّراهيمَ تَنْقادِ الصيارِيف [2]
وبعد، فما أحسن ما قال الشاطبي في وصف هذه القراءة، والتبكيت على"جهلة"النحاة [3] :
وَزَيَّنَ فِي ضَمٍّ وَكَسْرٍ وَرَفْعُ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ بِالنَّصْبِ شَامِيُّهُمْ تَلاَ
وَيُخْفَضُ عَنْهُ الرَّفْعُ فِي شُرَكَاؤُهُمْ ... وَفِي مُصْحَفِ الشَّامِينَ بِالْيَاءِ مُثِّلاَ
وَمَفْعُولُهُ بَيْنَ المُضَافَيْنِ فَاصِلٌ ... وَلَمْ يُلْفَ غَيْرُ الظُرْفِ فِي الشِّعْرِ فَيْصَلاَ
كَلِلَّهِ دَرُّ الْيَوْمَ مَنْ لاَمَهَا فَلاَ ... تَلُمْ مِنْ مُلِيمِي النَّحْوِ إِلاَّ مُجَهِّلاَ
ونظرا لشهرة هذه اللغة بسبب هذه القراءة فقد كان يستعملها بعض الشعراء، كقول أبي الطيب المتنبي:
بَعَثْتُ إِلَيْهِ مِنْ لِسَاني حَدِيقَةً ... سَقَاهَا الحِجَى سَقْيَ الرِّيَاضَ السحائِبِ [4]
(1) الدر المصون للسمين الحلبي 6/ 439.
(2) الدر المصون 6/ 440.
(3) البيت 670 فما بعد.
(4) البيت من الطويل، في قصيدة يمدح بها طاهر بن الحسين العلوي، أولها:
أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب ... وردوا رقادي فهو لحظ الحبائب
(العرف الطيب في شرح ديوان أبي الطيب ص 250) والمتنبي وإن لم يكن من شعراء الاحتجاج إلا انه عالم باللغة والأدب على مذهب الكوفيين.