ثم قال: فقد ثبت بما أوردناه وذكرناه من كلام العرب ومحققي النحاة صحة هذه القراءة وصحة وجهها، وسقط قول الراد وادّعاءه أنه لم يأت في النثر وقد أتى، وهو ناف والمثبت مرجح على النافي بالإجماع.
ومن قال قليل فلقِلَّة اطلاعه، ولو كان قليلًا لما جاز لَه أنْ يقول بعض ما قال، وذلك لأنَّه قد رُوي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: كان الشعر عِلم قوم لم يكن لهم علم أصح منه، فجاء الإسلام فتشاغلت عنه العرب بالجهاد وغزو فارس والروم، ولهيت عن الشعر وروايته، فلما كثر الإسلام وجاءت الفتوح واطمأنت العرب في الأمصار، راجعوا رواية الشعر، فلم يولوا إلى ديوان مدون، ولا كتاب، وألفوا ذلك وقد هلك من هلك بالموت والقتل، فحفظوا أقل ذلك وذهب كثيره.
ورُويَ عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال: ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقله، انتهى.
وهذا القول يقوي كثيرا مما نقله النحاة واستشهدوا عليه، وضعفوه بقلة مجيئه، لاحتمال أن يكون مما لم يدوَّن.
فيجوز حينئذ أن يكون مالم يدون من شعر العرب وقع فيه الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول وغيره بما لا يعد ولا يحصى.
فبان من ذلك سخافة عقل من قال: قبيح أو سمج مردود، وفساد اعتقاده أهـ [1] .
بل وورد على هذه اللغة قول النبي صلى الله عليه وسلم:(هَلْ أَنْتم تَاركُوا لي أَمْرِي، هَلْ أنْتم تَارِكوا لي
أُمَرائي، هَلْ أنتم تَارِكُوا لي صَاحِبي) [2] ، كذا ذكره أبو شامة [3] .
(1) أحاسن الأخبار لابن وهبان المزي ص 290.
(2) الحديث في صحيح البخاري ح 3661، وفيه (فهل أنتم تاركو لي صاحبي، مرتين)
تاركو: جمع تارك اسم فاعل ممن ترك، مضاف إلى صاحبي وأمرائي وأمري، بدليل حذف النون منه، وهي تحذف للإضافة، وقد فصل بين هذين المتضايفين بـ (لي) وهو جار ومجرور ظرف لتاركو، وهو مفعوله، وهو الشاهد.
إبراز المعاني من حرز الأماني 3/ 156، أوضح المسالك 2/ 351
(3) في إبراز المعاني من حرز الأماني 3/ 156.