قد بينا كيفية تحقيق الكتاب وميزنا بين حقيقة الكتاب وشبهة الكتاب وأن الصحف التي كانت لإبراهيم عليه السلام كانت شبهة كتاب وفيها مناهج علمية ومسالك عملية
أما العلميات: فتقرير كيفية الخلق والإبداع وتسوية المخلوقات على سنة نظام وقوام تحصل منها حكمته الأزلية وتنفذ فيها مشيئته السرمدية ثم تقرير التقدير والهداية عليها ليتقدر كل نوع وصنف بقدره المحكوم المحتوم ويقبل هدايته السارية في العالم بقدر استعداده المعلوم
والعلم كل العلم لا يعدو هذين النوعين وذلك قوله تعالى: ( سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى )
وقال عز و جل خبرا عن إبراهيم عليه السلام: ( الذي خلقني فهو يهدين )
وخبرا عن موسى عليه السلام: ( الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى )
وأما العمليات: فتزكية النفوس عن درن الشبهات وذكر الله تعالى بإقامة العبادات ورفض الشهوات الدنيوية وإيثار السعادات الأخروية ولن يحصل البلوغ إلى كمال المعاد إلا بإقامة هذين الركنين أعني الطهارة والشهادة
والعمل كل العمل لا يعدو هذين ( 1 \ 229 ) النوعين وذلك قوله تعالى: ( قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى )
ثم قال عز من قائل: ( إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى )
فبين أن الذي اشتملت عليه الصحف هو الذي اشتملت عليه هذه السورة وبالحقيقة هذا هو الإعجاز الحقيقي
المجوس وأصحاب الاثنين والمانوية وسائر فرقهم:
المجوسية يقال لها: الدين الأكبر والملة العظمى إذ كانت دعوة الأنبياء عليهم السلام بعد إبراهيم الخليل عليه السلام
لم تكن في العموم كالدعوة الخليلية
ولم يثبت لها من القوة والشوكة والملك والسيف مثل الملة الحنيفية إذ كانت ملوك العجم كلها على ملة إبراهيم عليه السلام وجميع من كان في زمان كل واحد منهم من الرعايا في البلاد على أديان ملوكهم
وكان لملوكهم مرجع هو موبذ موبذان يعني أعلم العلماء وأقدم الحكماء يصدرون عن أمره ولا يخالفونه ولا يرجعون إلا إلى رأيه ويعظمونه تعظيم السلاطين لخلفاء الوقت
وكانت دعوة بني إسرائيل أكثرها في بلاد الشام وما وراءها من المغرب وقل ما سرى ذلك إلى بلاد العجم
وكانت الفرق في زمان إبراهيم الخليل عليه السلام راجعة إلى صنفين اثنين:
أحدهما: الصابئة
والثاني: الحنفاء
فالصابئة كانت تقول: إنا نحتاج في معرفة الله تعالى ومعرفة طاعته وأوامره وأحكامه إلى متوسط لكن ذلك المتوسط يجب أن يكون روحانيا لا جسمانيا وذلك لزكاء الروحانيات وطهارتها وقربها من رب الأرباب
والجسماني بشر مثلنا يأكل مما نأكل ويشرب ( 1 \ 230 ) مما نشرب يماثلنا في المادة والصورة
قالوا: ( ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون )
والحنفاء كانت تقول: إنا نحتاج في المعرفة والطاعة إلى متوسط من جنس البشر تكون درجته في الطهارة والعصمة والتأييد والحكمة فوق الروحانيات يماثلنا من حيث البشرية ويمايزنا من حيث الروحانية فيتلقى الوحي بطرف الروحانية ويلقي إلى نوع الإنسان بطرف البشرية وذلك قوله تعالى: ( قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد )
وقال عز ذكره: ( قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا )
ثم لما لم يتطرق للصابئة الاقتصار على الروحانيات البحتة والتقرب إليها بأعيانها والتلقي عنها بذواتها فزعت جماعة إلى هياكلها وهي السيارات السبع وبعض الثوابت فصابئة النبط والفرس والروم مفزعها السيارات وصابئة الهند مفزعها الثوابت
وسنذكر مذاهبهم على التفصيل على قدر الإمكان بتوفيق الله تعالى
وربما نزلوا عن الهياكل إلى الأشخاص التي لا تسمع ولا تبصر ولا تغني عنهم شيئا
والفرقة الأولى: هم عبدة الكواكب
والثانية: هم عبدة الأصنام
ولما كان الخليل عليه السلام مكلفا بكسر المذهبين على الفرقتين وتقرير الحنيفية السمحة السهلة احتج على عبدة الأصنام قولا وفعلا كسرا من حيث القول وكسرا من حيث الفعل فقال لأبيه آزر: ( يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا ) الآيات حتى بلغ: ( فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم ) وذلك إلزام من ( 1 \ 231 ) حيث الفعل وإفحام من حيث الكسر
ففزع من ذلك كما قال الله تعالى: ( وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم )
وابتدأ بإبطال مذاهب عبدة الكواكب على صيغة الموافقة كما قال تعالى: ( وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض ) أي كما آتيناه الحجة كذلك نريه المحجة فساق الإلزام على أصحاب الهياكل مساق الموافقة في المبدأ والمخالفة في النهاية ليكون الإلزام أبلغ والإفحام أقوى وإلا فإبراهيم الخليل عليه السلام لم يكن في قوله: ( هذا ربي ) مشركا كما لم يكن فيقوله: ( بل فعله كبيرهم هذا ) كاذبا
وسوق الكلام من جهة الإلزام غبر سوقه على جهة الالتزام فلما أظهر الحجة وبين المحجة وقرر الحنيفية التي هي الملة الكبرى والشريعة العظمى وذلك هو الدين القيم
وكان الأنبياء من أولاده كلهم يقررون الحنيفية وبالخصوص صاحب شرعنا محمد صلوات الله عليه كان في تقريرها قد بلغ النهاية القصوى وأصاب المرمى وأصمى
ومن العجب أن التوحيد من أخص أركان الحنيفية ولهذا يقترن نفي الشرك بكل موضع ذكر الحنيفية: ( حنيفا وما كان من المشركين ) ( حنفاء لله غير مشركين به )
ثم إن التثنية اختصت بالمجوس حتى أثبتوا أصلين اثنين مدبرين قديمين يقتسمان الخير والشر والنفع والضر والصلاح والفساد يسمون أحدهما: النور والآخر: الظلمة وبالفارسية: يزدان وأهرمن ولهم في ذلك تفصيل مذهب
ومسائل المجوس كلها تدور على قاعدتين اثنتين:
إحداهما: بيان سبب امتزاج النور بالظلمة
والثانية: بيان سبب خلاص النور من الظلمة وجعلوا الامتزاج مبدأ والخلاص معادا . ( 1 \ 232 )