به أن يأتي بفوائد جليلة في بلاد الهند ذات الحضارة الراقية القديمة، غير أن التجربة
أدت إلى نتائج مناقضة لما تدل عليه النظريات، فقد أوجبت التربية الأوربية اختلالًا في
الهندوس، ونزعت منهم قابلية التمييز وخفضت مستواهم الخلقي.
ولا يسع أنصار التربية الأوربية أن ينكروا ذلك، وتلخص أفكارهم في الموضوع
بالعبارات الآتية التي أنقلها من كتاب أستاذ لغة البراهمة المقدسة السابق في جامعة
أكسفورد، أعني به المستر (مونيرو ويليم) الذي ساح مثلي في جميع أنحاء الهند:
أعترف بأن نتائج تربيتنا لم ترق في عيني، فقد صادفت أناسًا كثيرين ناقصي
العلم قليلي الثقافة، وإن شئت فقل ضعيفي الأخلاق فاقدي الموازنة في مزاجهم
العقلي، ورجال مثل هؤلاء قد يتعلمون كثيرًا في الكتب، ولكن تفكيرهم في الأمور
لا ينم على شيء من الثبات وصدق من العزيمة، ولو نظرت إليهم لرأيتهم لا
يعرفون لغير الهذر والثرثرة بابًا، ولا يدركون للسعي المستمر سبيلًا، فهم
يسيرون مستقلين عن كل مبدأ مناقضين لما يقولون وما يكتبون.
هم يتركون لغتهم وآدابهم ودينهم وحكمتهم وتقاليد قومهم، وعاداتهم
المتأصلة منذ قرون كثيرة من دون أن ينتفعوا بعلومنا ومذهبنا في الشك
وديننا.
ونحن نصنع بعد كثير من المجهودات ما نسميه ابن المستعمرات المتعلم،
إلا أن هذا الابن لا يلبث أن ينقلب علينا، فبدلًا من أن يشكر لنا ما بذلناه من
المساعي لتهذيبه تراه ينتقم لنفسه على ما بدر منا من التصدي لسجيته.
ويمكن الاطلاع على نقص ابن المستعمرات المتعلم من طرز حديثه، فهو عندما
يقابل الأوربي أول مرة يسأله برزانة هل يرجح (شكسبير) على (پونسون دوتراي) ، وهل
يصطاد ملك إنكلترة النمر في لندن وكم عدد زوجاته؟
وما في أفكار ابن المستعمرات المتعلم من عدم المطابقة يشمل النظر، ففي خاطره
يجول (فيشنو) و (سيفا) و (جوبيتر) والتوراة وولي عهد إنكلترة وأبطال اليونان والرومان
والجمهوريات القديمة والملكيات الحديثة كرقصة السراباند المخيفة، وهو لا يتأخر عن
عد ملك إنكلترة وولي عهده ورئيس وزرائه ثالوثًا مشابهًا لثالوث براهما وفيشنو وسيفا،
ولا يتأخر عن تفسير ذلك الثالوث بما يراه في هذا من معانٍ تمليها عليه مبادئه الموروثة
التي يرجع إليها في كل حين على رغم ما اكتسبه من التربية الإنكليزية.
إن الفقرة الأخيرة من قول (مونيرو ويليم) تصلح لتكون جوابًا عن هذا السؤال وهو: هل
التربية الأوربية تجعل ابن المستعمرات الذي يمنحها عدوٍّا أم صديقًا للأمة التي تمنحه
إياها؟
ليس في الهند موظف إنكليزي لا يعتقد أن جميع الهنود الذين تخرجوا على المدارس
الإنكليزية أعداء أشداء على السلطة الإنكليزية، وأن الذين درسوا في المدارس الهندية لا
يضمرون لها أي عداء، فهؤلاء يقدرون أمر السلم الذي تم لهم بفضلها ويعدونها أخف
وطأة من النير المغولي الذي كانوا رازحين تحته.
ومن يود أن يطلع على رأي الهندوس الذين تخرجوا على الطريقة الأوربية،
فليطالع جرائدهم، هنالك يراهم يحملون على الحكومة الإنكليزية حملات أشد من حملات
الفوضويين. ومما يفيد الاطلاع عليه أن الهندوس المشتهرين بحلمهم لا يلبثون أن
يصبحوا أشداء مفترسين، عندما ينالون قسطًا من التربية الإنكليزية، وإذا كانت إنكلترة
محافظة على نفوذها إزاء تلك الحملات؛ فلأنه لا يسمع صدى لأولئك بين أفراد الشعب
الذين أكثرهم أميون.
شعار الهندوس الذين علَّمهم الإنكليز هو» أن الهند للهنود، «ولا معنى له في بلاد
كالهند مؤلفة من شعوب كثيرة متكلمة بمئتي لغة لا وحدة سياسية واجتماعية فيها
سوى وحدة القبيلة والقرية، ولكن إذا كانت طبقة المتعلمين في الهند قليلة الخطر في
الوقت الحاضر لقلة عددها، فإنها ستهدد السيطرة البريطانية عندما تكثر.
تكفي الأمور التي ذكرناها سابقًا للإجابة عن هذين السؤالين، وهما: هل ترفع التربية
الأوربية مستوى الهندوس العقلي؟ وهل تجعله صديقًا للأمة التي تغذيه بها؟ والآن بقي