فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 145

ولقد بين الموسيو (ميلين) في خطبة ألقاها في مجلس الشيوخ ونشرتها الجريدة

الرسمية في عددها الصادر في 11 مارس سنة 1910 نتائج الفوضى الاشتراعية، وحالة

العمال النفسية بأوضح أسلوب، ومما جاء فيها: «إنني ممن يعيشون في عالم الصناعة،

فاسمحوا لي بأن أبين لكم أنني أرى فيه ملكة النشاط وملكة الاستنباط في حالة داعية

لليأس، ومن موجبات ذلك الوعيد المسلط على رأس المال والاعتصابات المستمرة والاعتداء

على حرية العمل والضرائب المفروضة على أصحاب الأموال وكل من يجمع مالًا بطريقة

الادخار.

فالثوريون الذين يسوقوننا إلى هذا السبيل غافلون، فلو تدبروا الأمر لرأوا أن العالم

بلا أغنياء يصبح فقيرًا وأن الفقراء يزيدون فقرًا، وفي ذلك البؤس كله.»

وأما ميزانيتنا التجارية الباعثة على الارتياح في الظاهر، فلم يجد ذلك الخطيب

صعوبة في بيان أوهام ولاة الأمور الذين يحتجون بها، فقد أشار إلى أن تجارة كثير

من البلدان كألمانيا والولايات المتحدة وبلجيكا تضاعفت في عشرين سنة، مع أن تجارتنا

نزلت إلى الدرجة العاشرة في نموها وتقدمها، وبينما نتمهل على هذا الوجه تزيد الشعوب

صناعة، فتلقى صعوبة في إيجاد أسواق لبيع سلعها» ولربما يجيء يوم يخرج الأمر فيه

عن طوره الاقتصادي، فيؤدي إلى وقوع حرب طاحنة بين الأمم. «

ومن العوامل التي تزيد بعض البلدان الأجنبية قوة هو أنها بدلًا من جيش المنحطين،

الذين نشأوا في جامعاتنا» تشتمل على شبيبة نشيطة عديدة تنتشر في أقطار العالم لتكدح

في إسعادها بلادها الأصلية «، ويرجو الموسيو) ميلين (أن يكون عندنا نظير تلك الشبيبة

يوم نشفى من داء التوظيف، وعندي أن داء الجامعة أعظم، فداء التوظيف من نتائج

ذلك الداء.

وعندما يتألف حزب سياسي، ويكون من مقاصد تخريب الآلات أو» غرس الراية الوطنية

في المزبلة «ينضم إليه جحفل من ناقصي العلم العاطلين غير ناظرين إلى ما فيه من

مبادئ أخرى. فتربيتنا المدرسية تربي أناسًا عاجزين عن عمل شيء آخر.

ولما كان تخريب المصانع وقطع أسلاك البرق من الأعمال التي يجتنب الإيصاء بها

جهرًا خوفًا من سلطان القوانين اكتشف أساتذة الفوضى في نهاية الأمر فلسفة يستنبط

منها بحيل لغوية أعمال النقابات الفوضوية، وإنا لنعجب من أن المبادئ التي يدرسها

في كلية فرنسا (كوليج دو فرانس) أكثر الفلاسفة دعة وحكمة - وأعني به الموسيو

)برغسون - (تصبح إنجيل المذهب النقابي الثوري، فإلى الموسيو(برغسون) يعزَى

ذلك المذهب كما قال الأستاذ (بوغله) ، وبه ينتفع المجددون وأصحاب الكثلكة الحديثة

وأنصار كثير من المذاهب الأخرى». وكل ما يطلبه هؤلاء إلى أستاذهم المنتحل هو أن

يدرسهم دروسًا روحانية «،أي أن يستبدل بالاستدلال العقلي إلهامات نقدر بها على»

الحياة، ونعتمد بها على صولة العمال التي هي بنت صولة الحياة. «

لم أفهم ذلك مثلكم وكذلك أنصار المذهب النقابي، وليس في هذا ما يضير المذهب،

فقوة المذهب بما فيه من غموض وتعذر، وإيضاح الأمر أن الجماعات ذات كلف بما لا

تفهمه، ففي دور مذهب (جانسينيوس) قلبت نظرية الغفران أوربا رأسًا على عقب، مع

أنه لم يستطع أي عالم لاهوتي أن يوضح ما يتفرع منها وأن يرى ما فيها من مخالفة

للأدب والذوق.

شعر نظريو النقابية بفائدة الفلسفة للمذهب النقابي، وقد انتفع بفلسفة (هيجل)

و (أوغوست كونت) كثير من الأحزاب الشائخة، فوجب اختيار فلسفة جديدة يتمكن بها

الفوضويون، حينما يحرقون المصانع من القول» إن إلهامات الغريزة رائدنا. «

وبهذا نستدل على شوائب فلسفة تستخف بالعقل وتقول بإقامة الغريزة مقامه،

فقد غاب عن تلك الفلسفة أن البشر سعى قرونًا لا يحصيها عد للخروج من الطور

الغريزي والدخول في طور العقل، ولم يترقَّ البشر في سلم الحضارة إلا بتحرره بالتدريج

من اندفاعاته الغريزية، فالحضارة في قهر المعقول للغريزي والهمجية في انتقام الغريزي

من المعقول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت