فهرس الكتاب

الصفحة 137 من 145

وحللنا جميع عواملها النفسية لرأينا أن هزيمتنا فيها كانت أمرًا لا مفر منه، وأنه كان

يمكن أناسًا من ذوي المدارك السامية أن يبددوا العناصر التي تألفت منها الهزيمة واحدًا

بعد الآخر قبل أن تصبح في مجموعها ثقيلة ساحقة.

والأغلاط النفسية - وكذلك العجز عن التنبؤ بالمستقبل - مصدر المقادير المهلكة

الثقيلة الوطأة على كثير من الأجيال، فقد نشأ عن أغلاط كتلك، ومنها فقدان روح التأمل

والملاحظة وجهل مزاج اليابانيين النفسي انكسار روسيا وما يتبعه من نتائج ستحول

مصير أوربا على ما يحتمل.

والمقادير المصنوعة - كمعاقرة الخمرة مثلًا - كثيرة إلى الغاية. ومع أن معاقرة

الخمر عمت بيننا ولم يجند ربع المطلوبين للخدمة العسكرية بسبب عيوب هذا الربع

التي انتقلت إليه بالإرث عن آباء مدمنين ترانا عاجزين عن التأثير في قدر المعاقرة تاثيرًا

شافيًا. ثم إن الدولة مضطرة إلى تشجيع الناس على تعاطي الخمر خوفًا من إحداث

عجز كبير في ميزانيتها.

لا تلبث المقادير التي نوجدها أن تصبح من الاستعصاء بحيث يستحيل تذليلها،

وقد أتى الموسيو (كروبي) وزير التجارة السابق بمثال مفيد على ذلك، فبين في كتابه

الذي نشرة حديثًا ما في الخدم الإدارية من الفوضى، وأنه حاول تسيير أمورها كما يجب،

وأنه لم ينجح في مسعاه لما بين الموظفين من خصام مستمر ولما في التبعات من اختلاط

وتشويش ولما في القيادة من فقدان الوحدة ... إلخ.

لم يتوصل الموسيو (كروبي) على رغم السنتين اللتين ظل فيهما وزيرًا للتجارة إلى

تبديل ذي بال، ومن يطالع كتابه يرَ أنه لم يقف على أسباب عجزه وقوفًا تامٍّا بدليل

«تبديل مناحي الديمقراطية بإصلاح نظام الانتخاب» اقتراحه لمعالجة الحالة

ولربما كانت المقادير العاطفية خطرًا من حيث نتائجها، فمن أجلها أصبح المذهب

الإنساني الذي هو أحد مظاهر النصرانية المنحطة من أعظم ما بليت به فرنسا في الزمن

الحاضر، فهذا المذهب هو الذي يأكل دعائم بنيانها الاجتماعي بما يوجبه من سن قوانين

مؤدية إلى نشوب ثورات عنيفة، وهو الذي جعل أولياء الأمور يقررون دخول الأوباش

في سلك الجندية ولو كان دخولهم فيها مفككًا لعرى الجيش، وهو الذي يدفعنا إلى

المحافظة على مجرمي الأوباش في سجون مشتملة على وسائل الراحة الحديثة.

يكثر عدد القتلة بفعل أنصار المذهب الإنساني حتى أصبح ثلاثة أضعاف ما كان

عليه قبل بضع سنين، وما كان القتلة الذين حرقوا ضحاياهم ليعدموا لو لم يقع انفجار

سخط في الرأي العام، ولا شيء أكثر بلاءً على الأمة من فريق محبي الإنسانية، فمحب

الإنسانية ليس رجل تقدم بل هو رجل هادم لكل نشاط مانع لكل تقدم.

أظن أن فائدة الاطلاع على علم النفس في تذليل الأقدار أخذت تبدو، ففي حديث دار

بيني وبين الموسيو (هانوتو) أحد وزراء خارجيتنا الأفاضل صرح لي بأنه لا يرى شيئًا

أكثر ضرورة من علم النفس للرجل السياسي في أثناء قيامه بأمور وظيفته.

لا يعلِّم علم النفس أولي الأمر كيف يحاربون الأقدار التي تقيد حياة الأمم فقط،

بل يعلمهم أيضًا كيف يسيرون الحوادث. فقد استطاع أقطاب السياسة مثل ريشيليو

وكافور وبسمارك والملك إدوارد أن يقودوا مجرى الأمور، وأن يذللوا مقادير التاريخ

بفضل وقوفهم على أحوال النفس واطلاعهم على شأن مقتضيات الدين والاجتماع

والاقتصاد.

ومع ما في الإنسان من عجز عن تذليل المقادير الناشئة عن أحوال لا سلطان له

عليها ينتفع بها الرجل المحنك كما ينتفع الربان بالريح على رغم اتجاهه، على هذا الوجه

استطاع الألمان الذين رأوا زيادة الإنتاج والمزاحمة الخطرة من الأمور التي لا مفر منها

أن يوجدوا نقابات إنتاج ليحولوا بها دون وقوعهم في الأزمات الاقتصادية، وأما نحن

فلعدم إدراكنا ضرورة التجمع الصناعي ترانا نقاتل بقوانين جائرة نقابات الإنتاج التي

يساعدها إمبراطور ألمانيا.

وإذا لم ينتفع بالمقادير الصادرة عن سنن الطبيعة بل يحاول مناهضتها فإنه تقع

نكبات عظيمة تعاني الأجيال القادمة نتائجها زمنًا كبيرًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت