فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 160

الفصل الرابع

تقويم الآراء بالتجربة

رأينا في الفصل السابق كيف أن المنطق العقلي في أكثر المواضيع - ما عدا المسائل العلمية

-لا يأتي إلا بملاحظات مبهمة تلجئ الناس إلى اختيار الطرفين: إما السير حسب رأي

الأكثرية، وإما السير حسب رأي فرد نُصب ملكًا، ولكن لما كان الإذعان لرأي لا يكفي

لتحويل هذا الرأي إلى حقيقة، فكيف نكتشف قيمة الرأي الصحيحة؟

لا يظهر لنا ذلك إلا بالتجربة، تلك الطريقة البطيئة الغالية التي لا تطبق والحالة

هذه على جميع المواضيع، فهي إزاء المعتقدات الراسخة عاجزة عجز العقل، وأما في آراء

الجموع كبعض الآراء السياسية مثلًا فإنها لا تلبث أن تؤثر إذا كانت بارزة مكررة.

إن حياة الأمم أكبر دليل على ضرورة التجارب المكررة البارزة، فيجب أحيانًا تخريب

مدن كثيرة، وإراقة دماء غزيرة كي تفقه أمة بضع حقائق تجريبية، وفي الغالب لا

تستمر استفادة الأمم من التجارب زمنًا طويلًا؛ لأن ضعف ذاكرة المشاعر يؤدي إلى عدم

انتفاع جيل لاحق بتجارب جيل سابق، فلقد شاهدت جميع الأمم منذ بدء العامل أن

الحكم المطلق يعقب الفوضى، ومع ذلك فإنها لم تستفد من هذا الدرس الأبدي، وقد

أثبتت الحوادث المكررة أن الاضطهاد هو أحسن وسيلة لانتشار معتقد ديني، ومع ذلك

نرى المظالم تقع بدون انقطاع، وقد علمت التجربة أن الإذعان إزاء وعيد الغوغاء يبطل

عمل الحكومات، ومع ذلك فإن رجال السياسة لا يزالون ينسون هذه الحقيقة، وكذلك

التجربة فإنها دلت دلالة قاطعة على أن منتجات الحكومة تكلف - لأسباب نفسية

صادقة - ثمنًا أغلى من ثمن المنتجات الخصوصية، ومع هذا يكدح الاشتراكيون كل يوم

في إكراه الحكومة على احتكار صنع مصنوعات جديدة.

ولا تؤثر التجارب إلا إذا كانت بارزة كما بينت آنفًا، وهاك مثالًا جديدًا مشهورًا على

ذلك: لقد أنبأ علماء النفس، وجميع علماء الاقتصاد، وجميع أكابر التجار بأن اشتراء

«خطوط الأويست» الحديدية وإدارتها من قبل الدولة يكلف ثمنًا غاليًا، ولو كان الغرب

الأمر متعلقًا بالثمن لما شعر الجمهور بذلك كثيرًا، وغير أن إدارة الدولة لهذه الخطوط

أوجبت في بضعة أشهر وقوع نكبات هائلة، وزهوق نفوس كثيرة، مما جعل الناس

يدركون عاقبة تلك التجربة الصارمة، ولا يجرؤون على مطالبة الدولة باشتراء خطوط

حديدية أخرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت