فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 160

(3)أشكال اللاشعور: اللاشعور الذهني ... واللاشعور العاطفي

يمكننا - على ما أظن - تفريق ثلاثة أنواع مختلفة في عالم اللاشعور: فالنوع الأول:

هو اللاشعور العضوي المسيطر على جميع أمور الحياة، كالتنفس، والدورة الدموية ...

الخ، فلما استقر أمره بتعاقب الوراثة فإنه يقوم بوظائفه قيامًا داعيًا للعجب دون أن

نعلم ذلك، وهو يسير الحياة فيقودنا من الطفولة إلى الهرم، ومنه إلى الموت من غير أن

نقدر على إدراك عمله.

وفوق اللاشعور العضوي يوجد نوع آخر يقال له اللاشعور العاطفي، فتكوين هذا

اللاشعور تم بعد تكوين الأول؛ ولذلك فإنه أقل رسوخًا منه؛ وإن كان على جانب عظيم

من الرسوخ، ومن أجل هذا الرسوخ الكبير ترانا لا نؤثر في المشاعر إلا قليلًا، مع أننا

نقدر على تبديل المواضيع التي نؤثر فيها بمشاعرنا.

وعلى رأس تلك السلسلة يوجد نوع يسمى اللاشعور الذهني، فلما كان ظهوره

على مسرح الكون حديثًا؛ فإن جذور الوراثة ليست سائخة فيه كما يجب، ومع أن أمر

اللاشعور العضوي واللاشعور العاطفي قد أصبح من الثبات بحيث نشأت عنه غرائز

تنتقل بالإرث؛ نرى أن اللاشعور الذهني لا يزال يبدو على شكل أهواء وأغراض، والتربية

هي التي تتدرج به إلى الكمال في كل جيل.

إن للتربية سلطانًا كبيرًا على اللاشعور الذهني؛ لكونه أقل رسوخًا من ذَيْنِكَ النوعين،

وليس لهذا اللاشعور سوى تأثير ضئيل في المشاعر التي هي قوام الخلق، وأما اللاشعور

العاطفي فإنه يكون في الغالب سيدًا مهيمنًا غير مبال بالمعقولات، وهذا سبب كون كثير

من الرجال الذين يكونون على جانب عظيم من الفطنة والصواب في مؤلفاتهم وخطبهم

يصبحون في سيرهم آلات متحركة، يقولون ما لا يودون أن يقولوه، ويفعلون ما لا

يريدون أن يفعلوه.

نستنتج من الإيضاح السابق أن العقل ليس - كما ظُن زمنًا طويلًا - أهم عامل

في الحياة النفسية، فاللاشعور هو الذي يُنضِج، ولا تصل نتائج هذا النضج إلى دائرة

العقل إلا تامة التكوين كالألفاظ التي تتدفق على شفتي الخطيب، وتتحلى قوة اللاشعور

في كون جميع ما يتم على جانب عظيم من الدقة والضبط، فالتدريب على إحدى الصنائع

لا يكمل إلا إذا صار العمل يُنجَز بقوة التكرار على شكل لا شعوري، ولذا عرفنا التربية

في كتاب آخر بأنها عبارة عن إدخال الشعور إلى اللاشعور.

ومع أن علم الحياة الحديث أصاب في نقضه مبدأ علة العلل، فإننا نرى سلسلة

الأشياء تبدو كأنها خاضعة لهذا المبدأ، يؤيد ذلك كون الشروح العقلية التي أتى بها

العلماء لم تقدر على حل كثير من الأمور الغامضة في الكون، على أننا لو نظرنا إلى

اللاشعور من حيث نتائجه لرأيناه يشتمل على شياطين لطيفة - هي سبب الأسباب

الحديث - تسعى في إعمائنا لنضحي بمنافعنا الشخصية في سبيل منافع الجنس، وما

هذه الشياطين إلا كناية عن ضرورات تأصلت في النفوس بفعل الزمان.

والأمر مهما يكن فإن اللاشعور يهيمن علينا في الغالب، ويعمي أبصارنا على الدوام،

ولا نأسف على ذلك؛ لأن كشف المصير يجعل الحياة شقية، فالبقر لا يرعى الكلأ مطمئنًا

إذا علم أن مصيره إلى الذبح، وأكثر الموجودات تتقهقر جزعًا لو اطلعت على نصيبها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت