فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 160

غاية الحركة في الإنسان هي البحث عن السعادة؛ أي طلب اللذة وطرد الألم، على هذا

المبدأ اتفق الناس أجمعون، وإنما اختلفوا في معنى السعادة ووسائل نيلها، وللسعادة

أشكال متنوعة مع اتفاق المقصود، فأحلام الحب، والغنى والرفعة، والإيمان إن هي إلا

أوهام مسيطرة تلقيها الطبيعة في قلوبنا لتسوقنا إلى أقصى الغايات، ومتى يتغير مبدأ

السعادة - أي المثل الأعلى في الرجل أو الأمة - فإن طرز نظره في الحياة ومصيره

يتغيران، وليس التاريخ سوى الإخبار عما يبذله الإنسان من الجهد في سبيل إقامة مثل

أعلى، والقضاء عليه بعد أن يصل إليه ويكتشف بطلانه.

ومن أمل السعادة التي يتخيلها الشعب والمعتقدات التي هي عنوان ذلك الأمل

تتكون قوة هذا الشعب، فمثل الشعب الأعلى يتولد معه، وينمو بنموه، ويموت عند موته،

ومهما تكن قيمة ذلك المثل الأعلى فإنه يمنح الشعب الذي يعتنقه منعة عظيمة، وتكون

هذه المنعة على نسبة تأثير المثل الأعلى، وإن كانت وعود هذا المثل قليلة، نعم قد ندرك

السر في كون الشهيد يرى من خلال الموقد باب الجنة، ولكن ما هي فائدة الجندي

الروماني، أو جندي نابليون من طوافه في أقطار الأرضإن لم يكن القتل أو القرح؟ فقد

كان المثل الأعلى الذي استولى على شعبه من القوة والجبروت بحيث يلطف جذوة آلامه،

ومن مقتضياته أن يعد المرء اللحاق بالأبطال سعادةً، أو فردوسًا حاضرًا يأخذ بمجامع

الألباب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت