فهرس الكتاب

الصفحة 111 من 160

نستدل على شأن العدوى النفسية في انتشار الآراء والمعتقدات من الملاحظات السابقة،

فالمعتقدات سياسية كانت أم دينية تسري بين الجماعات بالعدوى على الخصوص، وعلى

نسبة أفراد الجماعة يكون تأثير العدوى شديدًا، ولا يلبث المعتقد الضعيف أن يصبح

قويًا بعد أن يكتسب الأفراد الذين يعتنقونه صفة الجماعة.

والمعتقد بعد أن ينتشر بالعدوى لا يلتفت إلى قيمته العقلية، إذ لما كانت العدوى

تؤثر في دائرة اللاشعور فإنه لا شأن للعقل فيها، وفي الغالب تكون العدوى ذات تأثير

فيمن هم أرفع من الجماعة، ولذلك يجب ألا نعجب من وجود ع لماء يدافعون عن أكثر

المعتقدات شؤمًا ومخالفة للصواب، وما أكثر الرجال الذين هم كمدير العرائض الذي

ناضل في مجلس شورى الدولة عن اعتصابات الموظفين أيام كان اعتصاب موظفي

البريد يهدد كيان فرنسا.

وبالعدوى النفسية يعاني أرباب المال والقلم والعلم آراء الجموع، ومن أجل ذلك

نرى العدوى قادرة على استعباد الذكاء، وكما في انتقال الأمراض الجثمانية لا يستطيع

أن يقاوم العدوى النفسية سوى أولي القوة والبسطة، وقليل ما هم.

وقد نشأت حوادث الدين التاريخية عن العدوى النفسية، ومع ذلك لم يكن تأثيرها

في أحد الأزمنة الماضية كما هو في الوقت الحاضر، وسببه: أولًا: أن السلطة أخذت تنتقل

بالتدريج إلى الجماعات بفعل المبادئ الديموقراطية، وثانيًا: أن تعميم وسائل النشر

يؤدي إلى سرعة ذيوع الحركات الشعبية، وما من أحد يجهل كيفية انتشار اعتصابات

موظفي البريد والثورات التي اشتعلت في روسيا وتركيا والبرتغال.

والحكومات الضعيفة تكون عاجزة أمام سلطان العدوى، ولم يقتصر الأمر على

إذعان الحكومات لكل ما تأمرها به الجماعات، بل سرعان ما تُدعم هذه الأوامر من قبل

كتائب من المتعلمين جعلتهم العدوى يعتبرون عدلًا ما فيها من ظلم وإحجاف، على هذا

الوجه أصبحت أهواء الجموع الطائشة في نظر تلك الكتائب مبادئ جديرة بالاحترام،

كما كانت رغائب الملوك في الماضي مقدسة عند بطائنهم.

والآراء التي انتشرت بتأثير العدوى لا تزول إلا بآراء مخالفة تنتشر بالعدوى أيضًا،

إلى هذه القاعدة النفسية يلتجئ رجال السياسة فيفلُّون العدوى بالعدوى، ولكن بما أن

البحث في هذه النقطة يبعدنا من الموضوع فإننا لا نطنب فيه الآن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت