فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 160

تبين لنا من الإيضاحات السابقة أن اندفاعات الفرد الصادرة عن أنواع مختلفة للمنطق

تكون في حال الاعتدال متوازنة، والأمر كذلك في حياة الأمم، ومتى يطرأ شيء على ذلك

التوازن بفعل بعض المؤثرات تقع اضطرابات عميقة، فتقرب الأمة من القيام بثورة،

فالثورة في الغالب عبارة عن داء نفسي مصدره عدم التوازن بين الاندفاعات الناشئة عن

أنواع المنطق المختلفة التي يصبح أحدها متغلبًا.

وغلبة المنطق الديني على الخصوص هي التي تؤدي إلى حدوث انقلابات عظيمة في

حياة البشر، ونورد الحروب الصليبية، والحروب الدينية، والثورة الفرنسوية أمثلة على

ذلك، فمثل هذه الحوادث عنوان لأزمات تقع في حلق التدين المتين الذي لا تستطيع الأفراد

والشعوب أن تتخلص من حكمه.

وتنشأ تقلبات التاريخ عما بين أنواع المنطق المختلفة من تصادم، فمتى يتغلب

المنطق الديني فإنه يعقب ذلك حروب دينية، وما تؤدي إليه من قسوة متجبرة، ومتى

تتم الغلبة للمنطق العاطفي فإننا نشاهد حسب الأحوال إما تأهبًا للحرب، وإما بالعكس

انتشارًا للمذهب الإنساني، أو مبدأ السلم اللذين لا يكونان أقل سفكًا للدماء من حيث

النتيجة، ومتى يزعم المنطق العقلي أنه تدخل في حياة أمة فلا تنشأ عن ذلك انقلابات

أخف من تلك؛ إذ لا يكون العقل وقتئذ سوى لباس يستر تحته اندفاعات عاطفية أو

دينية.

وظلت الجموع وزعماؤها كما أوضحت مشبعة مثل الأجداد من خلق التدين، فقد

ورث بعض الألفاظ، والصيغ المؤثرة في الجماعات ما للآلهة القديمة التي عبدها الآباء

من قدرة سحرية، وهكذا بقي الأمل الوهمي في الجنَّات التي تخلب الألباب حيًا.

أساس خلق التدين ثابت، ولكن أشكاله هي التي تتغير، والمظهر العقلي الحاضر

هو الشكل الأخير لذلك الخلق، فباسم العقل النظري يود رسل المعتقدات الحديثة تجديد

المجتمعات والبشر، ويسهل إيضاح ما يُسند الآن إلى العقل من قوة قادرة على تحويل

المجتمع، فلما كانت مبتكرات العلوم التي هو سببها عظيمة إلى الغاية، فقد أصبح من

الطبيعي أن يعد قادرًا على تغيير المجتمعات، ونشر السعادة بأساليبه المعهودة.

غير أن تقدم علم النفس أوجب اطلاعنا على أن المجتمعات لا تتطور بتأثير العقل،

بل بتأثير اندفاعات العاطفة، وخلق التدين التي لا سلطان للعقل عليها، وما على قادة

الشعوب الآن أن يأتوا به من مجهود صعب فهو أن يؤلفوا بين اندفاعات أنواع المنطق

التي تسيرهم، وبين اندفاعات المنطق العقلي التي ترغب في أن تسيطر عليهم سيطرة

تامة، وقد أخذت إنكلترا مع كونها مملكة التقاليد تعاني أمر ذلك العراك؛ إذ صارت

نظمها السياسية التي هي سر عظمتها عرضة لهجمات المبادئ العقلية التي تسعى

الأحزاب المتطرفة أن تجدد بها بنيان البلاد الاجتماعي.

إن التصادم بين أنواع المنطق المختلفة لا يستمر أبدًا، فلقد رأينا آنفًا أن هذه الأنواع

تميل إلى التوازن، نعم يدوم التباين بينها، ولكن من غير أن نشعر بذلك؛ لأن العنصر

العقلي في الغالب يخضع لحكم المؤثرات العاطفية والدينية، وإن لم يعترف بهزيمته،

وبهذا نوضح علة إقلاعنا عن المناقشة في عواطفنا، ومعتقداتنا على الدوام.

ظهر من الملاحظات السابقة أن لكل من المبادئ الدينية، والمبادئ العاطفية نواميس

خاصة، ولذلك تبقى في النفس مصدرًا لسير الأفراد والشعوب، وعلى ما بين اندفاعات

المرء من تناقض فإنها لا تلبث أن تتوازن إذا لم يُعكر صفاؤها، ولم يحاول أن يوفق

بينها توفيقًا مستحيلًا، فالحقائق العاطفية، والحقائق الدينية والحقائق العقلية هي

بنات مختلفة لأنواع من المنطق يتعذر اتحادها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت