والحس طليعة للنفس ، ويجب أن يكون للطليعة قوة تدل على ما يدفع به الفساد ، ويحفظ به الصلاح ، وذلك هو الحواس ، ويبعد أن يكون حيوان له حس اللمس ، ولا قوة محركة فيه ، لأنه إن أحس بالموافق طلبه ، وإن أحس بالمنافي هرب منه . ومدركاته هي: الحرارة والبرودة ، والرطوبة واليبوسة ، والملامسة والخشونة ، والخفة والثقل ، وما يتبع هذه كالصلابة واللين واللزوجة والهشاشة وغير ذلك . وجاز أن تكون قوى اللمس كثيرة ، فيدرك كل ضدين من هذه بقوة . وجاز أن يكون إدراك الثقيل والخشن والصلب وغيرهما ، بضرب من تفريق اتصال ، أو انعصار آلة . لكن إدراك الحرارة والبرودة ، لا يجوز أن يكون كذلك ، وإلا لما وقع ( لوحة 323 ) الاحساس بهما ، إحساسا يتشابه في جميع مواقع اللمس ، بل كان يقتصر على مواقع التفريق ، ولا يعم التفريق عضوا واحدًا على التشابه . وهذه القوة موجودة في جميع جلد البدن ، لشدة الحاجة إليها . ولا يتم اللمس إلا بالمماسة ، والمؤدي له إلى الأعضاء هو العصب ، كما شهدت به المباحث الطبية . وليس متعلقا بالعصب دون اللحم ، وإلا لكان الحساس شيئا منتشرا كالليف ، بل قابل ومؤد . وما كان من أمزجة اللامسات أقرب إلى الاعتدال ، كان ألطف إحساسا . ولا يشعر بما كيفيته مثل كيفية العضو المدرك ، فإن الادراك لا يقع إلا عن انفعال ، والانفعال لا يقع إلا عن جديد ، إذ الشيء لا ينفعل عن ذاته أو عن مساويه .