فإنه لا يكون تواترا أيضا، كرواية أصحاب هوى معين شيئا يتعلق ببدعتهم أو هواهم وغير ذلك، أما العدالة واختلاف البلد فليسا شرطا، بل لو أخبر أهل بلدة كافرة بموت ملكهم فإنه يعتبر خبرا متواترا به علم يقيني بموت ملكهم.
2 -أن يتوفر هذا العدد في القرون كلها، فلو روى الخبر جماعة بلغت حد التواتر في القرن الأول وما بعده إلا الثاني، أو بلغت حد التواتر في القرنين الأول والثاني دون ما بعدهما، فليس متواترا، على خلاف ما لو بلغ الرواة حد التواتر عددا في القرن الثاني وما بعده دون القرن الأول، فإنه ليس متواترا أيضا، ولكن الحنفية أفردوه باسم مستقل به وهو (المشهور) ، وجعلوه مرتبة ثالثة وسطا بين المتواتر وخبر الآحاد، خلافا للجمهور الذين لم يفرقوا بينه وبين الآحاد واعتبروهما واحدا.
وأما العدد المشروط للتواتر فلم يتفق عليه الأئمة، فمنهم من ذهب إلى أنه خمسة، ومنهم من قال اثنا عشر أو عشرون أو أربعون أو خمسون، أقوال متعددة كلها لم يشهد لها دليل، والأصح أن العدد فيه غير محدود بحد معين، بل أمره متروك للعقل، فكل عدد أحال العقل التواطؤ على الكذب معه فهو متواتر، ومالا فلا، وهو أمر يختلف باختلاف قرائن الأحوال.
3 -أن يكون الخبر معتمدا على الحس من سمع وغيره، فإن كان مستندا إلى العقل لم يعتبر متواترا بحال مهما بلغ عدد رواته، ما لم يقم برهان آخر عليه.
بلا شبهة: هذا قيد وضعه الحنفية ليخرجوا به الحديث المشهور، فإن المشهور عندهم ما تواتر في القرنين الثاني والثالث وما بعدهما، وكان آحادا في القرن الأول، فإنه في مرتبة بين المتواتر والآحادي كما تقدم، خلافا للجمهور الذين لا يعتبرون للخبر إلا مرتبتين فقط، هما: التواتر والآحاد، ولكن المشهور يخرج بالقيد الأول وهو التواتر، إذ المتواتر ما استوفي فيه العدد في القرون كلها معا، وليس المشهور عند الحنفية كذلك، فلا حاجة إلى هذا القيد، ولذلك فإنه يعتبر قيد اتفاقيا لا احترازيا، ومن المشهور في القرآن -على تعريف الحنفية له-القراءات الثلاثة بعد السبعة المكملة للعشرة، فإنها مشهورة وليست متواترة، وهنالك من الفقهاء من يعتبرها متواترة أيضا.