وقال ابن حجر في حديث البراء:"والجمع بينه وبين أحاديثهم أنّه لم يعد العمرة التي قرنها بحجته؛ لأنّ حديثه مقيّد بكون ذلك وقع في ذي القعدة، والتي في حجته كانت في ذي الحجة، وكأنّه لم يعد أيضًا التي صدّ عنها وإنْ كانت وقعت في ذي القعدة أو عدّها ولم يعد عمرة الجعرانة؛ لخفائها عليه كما خفت على غيره" [1] .
وأمّا عن زمن هذه العمر: فقد مرّ معنا في المبحث السابق أنّه ورد أنهنّ كلهنّ في ذي القعدة، وورد أنهنّ في ذي القعدة غير التي في حجته، وورد أنّ إحداهنّ في رجب، وورد أنّ إحداهنّ في شوال، وورد أنّه اعتمر في رمضان.
قال ابن القيم - رحمه الله:"ولا تناقض بين حديث أنسٍ: - أنهنّ في ذي القعدة إلا التي مع حجته - وبين قول عائشة وابن عباس: - لم يعتمر رسول الله - صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم - إلا في ذي القعدة -؛ لأنّ مبدأ عمرة القِران كان في ذي القعدة ونهايتها كان في ذي الحجة مع انقضاء الحج، فعائشة وابن عباس أخبرا عن ابتدائها، وأنس أخبر عن انقضائها."
فأمَّا قول عبد الله بن عمر:"أنّ النبي - صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم - اعتمر أربعًا إحداهنّ في رجب فوهم منه رضي الله عنه. قالت عائشة لما بلغها ذلك عنه: يرحم الله أبا عبد الرحمن ما اعتمر رسول الله - صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم - قط إلا وهو شاهد، وما اعتمر في رجب قط."
وأمّا ما رواه الدارقطني:"عن عائشة قالت: خرجت مع رسول الله - صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم - في رمضان فأفطر وصمت، وقصر وأتممت، فقلت: بأبي وأمي أفطرت وصمت وقصرتَ وأتممتُ، فقال: أحسنت يا عائشة. فهذا الحديث غلط؛ فإنّ رسول الله - صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم - لم يعتمر في"
(1) العسقلاني، أحد بن علي بن حجر، فتح الباري، (3/ 600) .