فيمكن اختصارها في تراجع فرص الاقتراض أمام الجزائر و عدم ثقة المتعاملين الأجانب في الاقتصاد الوطني و ذلك كنتيجة طبيعية للأوضاع الداخلية.
و إذا كان بعض الاقتصاديين يعتبرون أن الاقتصاد الجزائري قد حقق نتائج إيجابية خاصة على المستوى الكلي في ظل البرنامج الذي تبنته الجزائر بدعم من صندوق النقد الدولي أين تحسنت معظم المؤشرات الاقتصادية الكلية و عاد النمو الاقتصادي بعد فترة طويلة نسبيا من الركود بالإضافة إلى استرجاع التوازنات المالية، حيث أصبح الاقتصاد الوطني أكثر استجابة للتحولات و الصدمات الخارجية، و إذا كان لكل دواء مضاعفاته، فإن الدواء المقترح من طرف الصندوق لا يخلو هو الآخر من المضاعفات السلبية و إن كانت ظرفية و مؤقتة لنلتقي بذلك آراءهم مع آراء خبراء صندوق النقد الدولي فيما يتعلق بالآثار القاسية للبرنامج على الجانب الاجتماعي.
إن البعض الآخر لا ينظر للواقع الاقتصادي الجديد الذي أفرزه برنامج التصحيح الهيكلي بنفس المنظار ذلك أن التوازن الداخلي و الخارجي في رأيه ما هو إلا أداة لتحقيق أهداف قاعدية و أساسية يتمثل عموما في تحقيق معدلات نمو مرتفعة و مستديمة و توزيع عادل للدخل. فهل تحققت تلك الأهداف؟ بحيث هذا الفريق بالنفي، بل و يؤكد أن البرنامج الذي اعتمدته الجزائر قد أدى إلى تفاقم الوضعية الاجتماعية حيث ارتفعت معدلات البطالة و تراجع المستوى التعليمي و الصحي و ذلك كنتيجة للتدابير التقشفية، حيث تزايد الفقر و البؤس و تضاعفت الفوارق الاجتماعية بين مختلف شرائح المجتمع كما يؤكد تقرير برنامج الأمم المتحدة للتنمية لسنة 1999 إذ يشير أن 20? من أغنى فئات المجتمع الجزائري تستحوذ على ما يقارب 50? من الدخل. إن هذه النتائج كانت متوقعة بالنظر لتجارب البلدان المختلفة التي سبقتنا في هذا المجال باعتبار أن هذه الأخيرة مستمدة أساسا من تجارب البلدان المتطورة و التي تختلف اختلافا جذريا عن تجارب البلدان المختلفة.
لدراسة الأسس العلمية و النتائج العملية، أي الميدانية التي يرتكز عليها كل فريق لتبرير اتجاهه سنحاول من خلال هذه الورقة استعراض بالإضافة إلى المقدمة و الخاتمة، الأسس النظرية لبرنامج التصحيح الهيكلي لنعرج بعدها إلى التدابير المنبثقة عنها، أي المكونة للبرنامج لنقف فيما بعد على النتائج الميدانية للتجربة الجزائرية في هذا المجال.
يستند خبراء صندوق النقد الدولي في تشخيص وضعية البلدان المتخلفة واقتراح وصفة العلاج على مقاربتين أساسيتين الأولى مستمدة من النظرية الكينزية و تعرف بمقاربة أو أسلوب الامتصاص إذ تؤكد أن
الفائض أو العجز في الميزان التجاري ما هو إلا الفرق بين الدخل القومي و النفقات الكلية و بالتالي فإن العجز الذي تعاني منه موازين مدفوعات البلدان المتخلفة ما هو إلا نتيجة لزيادة الامتصاص، أي زيادة الطلب الكلي بما لا يتناسب و إمكانيات العرض في التحليل الأخير أن أزمة البلدان المختلفة ما هي في الحقيقة إلا أزمة إفراط في الطلب الكلي.
أما المقاربة الثانية فتستند بالأساس على النظرية النقدية التي نرجع كل عجز في المبادلات الخارجية إلى إفراط في الإصدار النقدي و ترتكز هذه المقاربة على فرضيتين أساسيتين، الأولى و تعتبر أن العرض النقدي معطى خارجي، أي مرتبط بالسلطات النقدية، في حين أن الفرضية الثانية فتعتبر أن الطلب على النقود ثابتا. فالنقود لا ترتبط سوى بحجم المعاملات و بالتالي يتناسب الطلب و جزء من الدخل الاسمي للأعوان الذين يرغبون الاحتفاظ به في شكل أرصدة نقدية. وبناءا عليه فإن كل توسع في السيولة النقدية التي يرغب المتعاملون الاحتفاظ بها في شكل أصول سائلة ستوجه لشراء سلع أجنبية أو تستثمر في الخارج بسبب ضعف الهياكل الاقتصادية للبلدان المتخلفة أو أن الاقتصاد في مرحلة التشغيل الكامل.
خلاصة ذلك أن العجز الخارجي ما هو في النهاية إلا نتيجة للعجز الداخلي و ذلك بسبب السياسات التوسعية التي تبنتها حكومات البلدان المتخلفة.
إذا كانت تلك هي الأسس النظرية التي يرتكز عليها خبراء صندوق النقد الدولي فما هي إذا الإجراءات أو التدابير العملية (السياسات) المنبثقة عنها"."