استطاع الجيش المعادي احتلال البقاع الخصبة القليلة التي تزود المدينة المحاصرة بالطعام. وعلى هذا الأساس، لم يكن بمقدور الجيش الاغريقي أن يمكث طويلا خلف الحصون. كان عليه أن يخرج، ويواجه القوة التي تعيث فسادا في حقوله.
وفي الوقت الذي كانت فيه حالات حصار كثيرة جدا تتخلل الحروب الأغريقية التي وقعت أبان القرن الخامس قبل الميلاد، كان من النادر أن تطول حالة الحصار لاكثر من موسم هجومي واحد. أما في العام 413 قي. م. فقد أرسل جيش أثيني ليحاصر اسيراكوزة، احدى مدن جزيرة صقلية، التي كانت في الأصل مستعمرة اغريقية. وفي هذا الحصار الطويل، وكان من الأهمية بمكان عظيم، بالنسبة الى أثينا وحلفائها وأعدائها في اليونان، لم يكن الأثينيون يتعاملون مع مجرد مدينة صغيرة عادية، يكتب عليها أن تموت جوعا اذا انتهكت ونهبت حقولها. فسيراكوزة كانت مركزا تجاريا ضخما، حلفاؤها ورافدوها في أماكن عديدة من صقلية، وفي محطات تجارية منتشرة بين العديد من الموانيء. وكانت تستمد قسما كبيرا من تموينها عن طريق المياه. وكان في سيراكوزة مخزونات كبيرة ومستودعات واسعة، وحاول الأثينيون أن يخربوا الريف المحيط بالمدينة. ولكنهم أخفقوا في تجويعها رغم انهم هدروا قرابة عام في محاولتهم هذه، وذلك لان الامدادات كانت تصل من أجزاء أخرى من صقلية، وتصل أيضا من الخارج، وعلى هذا الأساس، حاول الأثينيون أن يعزلوا المدينة عن بقية البلاد ببناء جدار مجوطها من اليابسة، على أن يقوم اسطولهم بسد المنافذ البحرية. وكانت هذه الفكرة من أوائل محاولات حرب المواقع على نطاق واسع، وهي الحرب التي تعرف نحن عنها الكثير ... (الحرب التي تعتمد على التحصينات التي هي ليست أسوار المدن) . والذي لا شك فيه أنه كان لدى الاغريق بعض الخبرة في هذا النوع من الصراع المسلح. وكانوا قد بنوا، منذ أيام حصار طروادة، حصونا من نوع يقي سفنهم في الموانيء. وفي وقت لاحق، بني الأثينيون الذين تبعد مدينتهم عدة أميال عن البحر، سورن طويلين من تحصينات تصل المدينة بمرافئها، لكي تتمكن أثينا من التزود بالمؤونة عن طريق البحر عندما تحاصر.
ومن المحتمل أن حصار سيراكوزة هذا، وهو الذي لقي الأثينيون الهزيمة عنده قبل أن يكملوا بناء الجدار الذي قصد به سد المنافذ الى المدينة، من المحتمل أن يكون هو الذي أدى إلى أول تطوير المدفعية ... من نوع ما ... وكان من المعروف أن د ديونيسوس،، طاغية ميراكوزة، كان يملك، قبل بضع سنين من هذا الحصار، عددا كبيرا من الات خشبية تسمى: الرواجم (Ballistas) والقواذف .. وكانت هذه الرواجم ترمي الحجارة الخفيفة على مسافات معينة وبشكل مستقيم تماما. وكانت والقواذف)