الصفحة 78 من 284

افتراض أن الناس المدربين على التعاون سيقهرون عددا مماثلا من الناس غير المدربين على التعاون، أو أن رجالا مدرعين سيهزمون عددا مساويا لهم من رجال غير مدرعين، أو أن رجالا مسلحين بأسلحة تستطيع أن تصيب من مسافة بعيدة سيتغلبون على مثل عددهم من رجال مسلحين بأسلحة ذات أندية قريبة. لكن هذه الافتراضات دائما معقدة، وتعقدها، في كل معركة منفصلة و حقيقية، مسائل القيادة والروح المعنوية، مسائل خور العسكريين أو طاقتهم، مسائل التموين والراحة التي توافرت هؤلاء العسكريين، مسائل ما يطرا من ظروف الطقس والأراضي المفتوحة، والمهندس الذي يكون قد صمم محرك الطائرة واختبره قادر على مراقبته وهو يتاكل. وبيقين، يتعرف عن طريق محركه على بعض نقاط الضعف فيه، ومن ثم صنع محرك أفضل. أما القائد المتوجه إلى خضم المعركة المهمة، فيحتمل الا تسنح له فرصة ثانية. وليس بمقدوره القيام بتدريب - بروفة - فعال يتضمن مجمل الحقائق المعلومة والمجهولة لديه، ويستطيع هذا القائد أن محرك الدبابيس على خريطة، أو يعلمها بقلم رصاص ويستطيع أن يمثل لعبته الحربية أو بدرب جنوده بالمناورات. لكن اختبار المعركة الفعلي يوافيه، كل مرة، على شكل تصنيف غير معروف للفرص والمخاطر، وقد تتضمن الأوامر الصادرة اليه مباديء واضحة يعتقد بأنه يعمل على تنفيذها، بيد أن هذه الأوامر ستبدو في وقت لاحق، وبالنسبة الى المراقب الحيادي، مجرد تقديرات تقريبية جدا بالنسبة إلى الواقع، فالمعركة ليس لها تجربة (بروقة) ... وحتى لو كانت معركة لا تسير بموجب مباديء، وهي، بهذا المعنى، فن وفن ذو صعوبة خاصة.

تتمرن مجموعة الراقصين على الباليه في شروط مشابهة تماما للشروط التي سيؤدون فيها رقصتهم على المسرح، ولكن الجيش يتمرن على الحرب في ظل شروط هي حتما غير واقعية. ويقال أن الجيش الألماني قام ذات مرة بمناورة تدريبية استخدم فيها ذخيرة خلبية مخلوطة بعدد قليل من الذخيرة الحية، بهدف سماع أزيز الرصاصية الحية بين الفينة والفينة وقد هيئ لهذا الجيش فرصة معقولة للتقرب من الواقع، فرصة ثمنها عدد قليل من الخسائر. ولقد رأيت الشيء نفسه ينفذ، ويشكل مفيد، في المدرسة البريطانية

للتدريب على المعركة،، ورقصات الحرب التي تؤديها بعض القبائل البدائية هي أيضا خطرة في بعض الأحيان، ولكنها تدريب ناجح. بيد أن معظم الجيوش تتدرب على المعركة في ظروف مختلفة جدا عن الظروف التي سيخوضون المعارك في ظلها. وهذا ما يجعل الحرب فنا هو من أكثر الفنون بعدا عن التوازن. فبامكان المرء أن يعتمد على الراقصين والمغنين في اعادة تقديم تمثيلياتهم الليلة بعد الليلة، ومستوى يقرب جدا من الابداع. أما الجيوش فلا «تعرض بضاعتها، الا في المناسبات، وتعرضها دائما بأوضاع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت