الصفحة 80 من 284

غير مدرب عليها، وكثيرا ما تعرض في أوقات غير متوقعة.

وكون الحرب عملية غير مستمرة هو بالضبط سبب كونها صعبة على الفهم، وعلى التطور بشكل منطقي .. (وهذا لا يعني أن الحرب يجب أن تكون عملية مستمرة) . وليس هناك معيار دقيق تقاس به الأسلحة والتكتيكات القديمة، أو الحديثة، خلال الفواصل الزمنية فيها بين الحروب، فللصناعة معيار يدل عليه الريح أو الانتاج، وللطب معيار يدل عليه معدل الوفيات أو عدد الحالات المرضية. أما العسكري فليس له مثل هذا المؤشر. اذ من النادر جدا أن يطرح عليه وجوب أن يستهدف استثمار الحد الأقصى لما يتميز به شعبه کله أثناء السلم، من مهارات مدنية وامکانات ونقدم، استثماره في الصراع المسلح. وهذا ما يأتي بنا إلى النقطة الأخيرة التي يجب ايرادها في هذا الفصل.

لقد حاولت تتبع بعض التوجهات المتضمنة في الحرب ذاتها، والتي تحكم الصراع المسلح كله، وتقسمه إلى عدد من الفترات حدثت في كل منها تغيرات مختلفة في الدرجة ولكنها متماثلة في النمط، وحاولت، بعد ذلك، رسم الخطوط العريضة لهذه التوجهات ضمن نط كل فترة، مدرعة أو غير مدرعة. ويترتب على الأن أن أحاول عرض الأسباب الموجبة للتغيرات المؤدية من فترة إلى أخرى، والأسباب الموجبة للتوقفات او الانقطاعات أو الثورات في تاريخ الحرب. ويأتي في طليعة هذه الاسباب السبب المتضمن في طبيعة الحرب ذاتها، وهو ما عرضناه قبل قليل، أي صعوبة الحكم اثناء السلم على الشكل المحتمل للحرب القادمة.

ولقد سبق لي أن أشرت إلى أن المجتمعات المحافظة تبني على الماضي آراءها حول الكيفية التي يجب أن تقاتل بها، وتتجاهل خطوط التغير. وكانت جيوش الماضي، وفي معظم المجتمعات، هي بعض المكونات الاشد محافظة في تلك المجتمعات ... وهذا أمر طبيعي بسبب التعليلات التي جهدت في عرضها. وتصبح الطرق القديمة مزمنة، إن ظلت ناجحة مدة طويلة، وظل الرجل و المدرع، بشكل خاص، الذي يكاد لا يقهر، ظل ناجحا، حتى بدا الأمر وكأنه سيظل دائما ناجحا. ثم تأتي الوقفة، فالتغير. وتأتي الوقفة الاسباب منها أن الرجل ظل ينجح حتى لم يعد يشعر بالحاجة إلى التغير، أو الحاجة إلى مواكبة الزمن. وفاتته الحاجة إلى أن يفعل ما هو جديد. ولئن كان كذلك تفشل الطرق القديمة، فكيف تنجح الطرق الجديدة؟ وأين الجذور الحية لذلك النمط الثوري من التغير في الاسلحة والتكتيكات، النمط المختلف في سمته عن التطورات التدريجية التي تحدث عبر كل فترة من فترات الحرب؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت