الصفحة 58 من 464

مقدمة

البديهي، وتلك الغرائز هي أفضل وسيلة للوصول إلى الحقائق الأساسية عن العالم. وحديثا دعا الكاتب العلمي الشهير جون هورجان (2000) في افتتاحية في جريدة نيويورك تايمز، إلى العودة إلى المنطق البديهي في تقييم النظريات العلمية، بما في ذلك تلك النظريات الخاصة بعلم النفس. فعند هورجان، كثير من نظريات الفيزياء وغيرها من مجالات العلم الحديث تناقض المنطق البديهي السليم، وهي نزعة وجدها هورجان مقلقة ومزعجة بشدة. بالإضافة إلى ذلك، شهدت الأعوام العديدة الماضية وفرة في الكتب الشهيرة - بل والأكثر مبيعا - التي تدعم قوة الحدس والأحكام الفورية (جيجرينزر، 2007؛ جلادويل، 2005) . وتؤكد معظم هذه الكتب على محدودية التفكير المنطقي البديهي في تقييم حقيقة الادعاءات العلمية، مع ذلك تنتهي إلى أن علماء النفس قد جرت عادتهم على الاستخفاف بصحة أحاسيسنا الداخلية.

ولكن كما أشار الأديب الفرنسي فولتير (1794) : «المنطق البديهي السليم غير شائع كثيرا.» وعلى عكس ما يراه دينيس بريجر، فدراسات علم النفس التي تسقط المنطق البديهي تكون صحيحة أحيانا، وأحد الأهداف الأساسية لهذا الكتاب هو تشجيعك على الشك في المنطق البديهي عند الحكم على صحة الادعاءات النفسية ينبغي لك، كقاعدة عامة، أن تراجع الأدلة البحثية، لا الحدس، عند الحكم على صحة أحد الادعاءات العلمية، وتشير الأبحاث إلى أن الأحكام المتعجلة غالبا تساعد على تقييم الأفراد وعلى التنبؤ بما نحب وما نكره، (أمبادي وروزينثال، 1992؛ ليرر، 2009؛ ويلسون، 2004) لكنها تعوزها الدقة كثيرا عند تقييم دقة نظريات علم النفس أو تأكيداته، وسندرك بعد قليل سبب ذلك.

وكما قال العديد من الكتاب العلميين، بمن فيهم لويس ولبرت (1992) وآلان کرومر (1993) ، فالعلم منطق لا يقوم على البديهة. بعبارة أخرى، يتطلب العلم أن تنحي المنطق البديهي جانبا عند تقييم الأدلة (فليد جيل وجيندرو، 2008؛ جيندرو وآخرون، 2002) ، ولكي نفهم العلوم، بما فيها علم النفس، يجب أن ننصت إلى نصيحة الكاتب الأمريكي الساخر الكبير، مارك توين، التي تقول إننا بحاجة إلى نسيان عادات التفكير القديمة، على الأقل بنفس القدر الذي نحتاج إليه لتعلم عادات

جديدة. ولعل أكثر ما نحتاج إلى محوه يتمثل في ميل طبيعي داخل كل منا إلى افتراض صحة حدسنا (بينز، 2008) .

لا شك أن ما ينطوي عليه علم النفس الشعبي من حكمة ليس كله خطأ: فمعظم الناس يرون أن الموظفين السعداء ينجزون قدرا من العمل أكبر مما ينجزه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت