الصفحة 424 من 464

مع ذلك توصل عالما النفس جون دارلي وبيب لاتين في أواخر الستينيات من القرن الماضي إلى تفسير مختلف تماما في لقاء جمعهما على الغداء كانا يناقشان

حادثة مشابهة ومعروفة للكثيرين عن سيدة اسمها كيتي جينوفيز طعنت حتى الموت في 13 مارس / آذار 1964 في مدينة نيويورك على مرأى ومسمع من 28 شاهدا عبائا لم يحرك أحد منهم ساكنا كما قيل (المثير في الأمر أن الفحوصات التالية لسجلات الشرطة منذ ذلك اليوم تشكك في ادعاءات عديدة شاع قبولها فيما يخص قصة جينوفيز، بما في ذلك التأكيد على وجود 38 شاهدا عيانا وأن شهود العيان جميعا أيقنوا أن ثمة جريمة تقع أمام أعينهم، وأن أيا منهم لم بستدع الشرطة؛ مانيننج، ليفاين، وكولينز، 2007.) فبدلا من أن يلقي دارلي ولاتين بأسباب قتل کيتي جينوفيز وغيرها من الحوادث المشابهة على عاتق المارة غير المكترثين، صبا شكوكهما على أن أسباب عدم التدخل من جانب المارة تكمن على نحو أكبر في العمليات النفسية الشائعة أكثر من كمونها في طبيعة تعاملات الأفراد داخل البيئة المدنية المتسعة. وطبقا لهما، ثمة عاملان أساسيان يتضافران في تفسير عدم تدخل المارة:

أولا: قال دارلي ولاتين إن المار يحتاج إلى أن ينتبه إلى أن الموقف الخطير هو حقا موقف خطير، فهل سبق لك أن مررت بشخص يتمدد على الرصيف الجانبي وتساءلت هل هذا الشخص بحاجة إلى مساعدة أم لا؟ ربما كان ذلك الشخص مخمورا أو ربما كان ذلك جزءا من مزاح لم تمر به من قبل، ويرجع السبب في ذلك إلى أنك إن نظرت حولك ولاحظت أن أحدا غيرك لم يلق قط بالا لما يجري، فقد تفترض أن الموقف ليس خطيرا على الإطلاق. يطلق دارلي ولاتين على هذه الظاهرة

الجهل الجمعي»، وتعني الافتراض على نحو خاطئ أن أحدا من أفراد الجماعة لا يتفق معك في وجهات نظرك (كأن تقول لنفسك: «لا أحد يفعل أي شيء، لذا أظن أنني الشخص الوحيد الذي يرى أن ما يحدث قد يكون أمرا خطيرا: لا شك أنني مخطئ إذن.» ) ولعل أحد الأمثلة المألوفة على الجهل الجمعي» يتجسد في

سيناريو قاعة المحاضرات الصامتة، الذي يقع فور انتهاء محاضرة تترك الطلاب في حيرة وذهول، فحالما تنتهي المحاضرة يسأل الأستاذ: «هل لدى أي منكم أي أسئلة؟ ولا ينطق أي شخص ببنت شفة، وينظر كل فرد في حجرة الدراسة حوله في قلق ليرى غيره من الطلاب يجلسون في هدوء ويفترض مخطئا أن الجميع سواه قد فهموا المحاضرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت