ذكرى ما مضى
ولكن هناك مشكلة أخرى تكمن في دراسات فقدان الذاكرة الانفصالي، وهي أن عجز الأشخاص عن تذكر حدث معين لا يعني أنهم كبتوا ذكرياتهم عنه أو حتى نسوه (بيبر، 1997) . لنأخذ ما قامت به جيل جودمان وزملاؤها كمثال توضيحي على هذا الأمر (جودمان وآخرون، 2003) : إذ أجروا مقابلات متكررة مع 170 شخصا تعرضوا خلال طفولتهم لحوادث اعتداء جنسي موثقة، وذلك بعد مرور 13 عاما على هذه الأحداث. شملت الدراسة ثلاث مراحل من المقابلات. في البداية لم يذكر 19? منهم الحوادث التي تعرضوا لها، وفي المرحلة الثانية التي أجريت فيها المقابلات عبر الهاتف انخفضت النسبة إلى 16%، أما في المقابلة الثالثة التي كانت مقابلة شخصية، فكانت نسبة الأشخاص الذين عجزوا عن ذكر الحوادث التي وقعت لهم 8? فقط، من الواضح أن الأحداث التي استعادها المشاركون كانت حاضرة في الذاكرة، مع أن المشاركين لم يذكروها في البداية. ربما شعروا بإحراج شديد في البداية منعهم من ذكر تعرضهم للاعتداء الجنسي، أو كان الأمر يتطلب عدة محاولات تحفيزية حتى يستعيدوا ما حدث.
الميل إلى تسمية حالات النسيان العادية أو غير المفهومة بالكبت يبدو أنه أمر راسخ بعمق في تراثنا الثقافي، واجه الطبيب النفسي هاريسون بوب وزملاؤه الأوساط العلمية بتح رائع (بوب وآخرون، 2009) ، إذ أعلنوا على أحد المواقع الإلكترونية المتخصصة عن مكافأة قدرها 1000 دولار لأول شخص يستطيع أن يستخرج مثالا على فقدان الذاكرة الانفصالي الناجم عن التعرض لصدمة في أي عمل خيالي أو واقعي مكتوب بأي لغة قبل عام 1800. وعلى الرغم من أن أكثر من 100 باحث قد رد على هذا الإعلان، فلم يستطع أي منهم أن يجد وصفا واضحا لحالة واحدة من حالات فقدان الذاكرة الانفصالي. استنتج المؤلفون أنه إذا كان فقدان الذاكرة الانفصالي يمثل ظاهرة نفسية تحدث بصورة طبيعية مثل الهلاوس أو الضلالات، لكان يجب أن يكون هناك دلائل عليها في الشخصيات الخيالية أو الحقيقية، وانتهى بوب وزملاؤه إلى أن كبت الذكريات يبدو أنه نتاج حديث نسبيا لثقافتنا بداية من القرن التاسع عشر.
انخفضت إلى حد ما حدة الجدل الذي تشهده الأوساط العلمية عن ظاهرة كبت الذكريات خلال العقد الماضي، إذ ظهر مفهوم أجمعت عليه الآراء وهو أن الإجراءات المغناطيسية - مثل التنويم المغناطيسي والتخيل الموجه، والأسئلة المغرضة أو الاستدراجية - يمكن أن تولد ذكريات زائفة عن أحداث صادمة