احتوت كذلك على حقب ذات أهمية من التنافس بين الحكام وبين أنصار التغيير، ولم تتم معالجة هذه الأزمات في أدبيات السياسات المقارنة التي تناولت تغير نظم الحكم، مما أعطى الانطباع بأن طول أمد نظم الحكم العربية نجم عن عوامل فريدة تخص المنطقة، ونزعت التفسيرات إلى التركيز على الثقافة الدينية أو التقاليد السياسية قبل استنفاد التحليل التقليدي للزعماء القائمين بالحكم والقوى التي تناونهم وتتحداهم ويزودنا تحقيق دار حول محاولات المعارضة لطرد الحكام المستبدين، وإبعادهم بالتفسير البديل والأقل تخصصا، ألا وهو: إن الحكام المطلقين أعاقرا التحولات السياسية الداخلية بكل نشاط عن طريق نشر منظمات قسرية إكراهية لكبت أعدائهم. وهكذا، فإن الاختلاف البارز بين العالم العربي والمناطق الأخرى لا يكمن في ثقافة السكان المحليين، ولكنه يكمن في قوة الجهاز القمعي للدولة
ولقد عملت الجماعات المقهورة في الشرق الأوسط، كما هي الحال في أجزاء أخرى من العالم، بصفة دورية على إنهاء الحكم الديكتاتوري ولم يكتب لهم النجاح
على أية حال كما كتب للحركات المثيلة في أماكن أخرى، وجاء ذلك في المقام الأول لأن نظم الحكم التي في السلطة أو سدة الحكم أثبتت عزيمتها ومقدرتها الوطيدة على نشر العنف واستعماله ضد خصومها. إن هذه النزعة نحو إطلاق العنف من أجل البقاء في السلطة، والعاقبة المترتبة عليها وهي دوام نظام الحكم، لا تمثل نمطا استثنائبا طارئا أو عارضا. بل أكثر، فحينما نستعرض حالات سحق السلطوية في أصقاع أخرى، نجد أن بلدان الشرق الأوسط تقدم نماذج تربط بين المستويات العليا من القدرة على البطش، وبين القيم المتدنية لدى الناس لتغيير نظام الحكم. وتقبع هذه الصبغة غير المفاجئة وراء مرونة نظم الحكم العربية، وتعزز ثروتنا من الأدلة والبراهين الكامنة في النظريات السائدة حول التغيير، والتي تأخذ في الحسبان المؤسسات وقرة الأطراف المتنافسة