الصفحة 98 من 346

لا يوجد في لغتنا فحسب، بل يشكل تلك اللغة (59) . يعرف الموقف الأيديولوجي باستبعاد ميدئي لأي زعم في التاريخ يناقض النظرة التقدمية، وهي نظرة وجدت في مبدأ التقدم الاستراتيجي س لاحا خطابيا للدفاع عن نفسها، وكما سنرى، فإن ثمة تناقضا في تصور هذه العقيدة للتاريخ، ذلك أنها تنشاهي ذاتها من رؤية تاريخية إلى العالم تستخدم التاريخ لتبرير وجودها، لكنها في الوقت نفسه تنكر التاريخ عندما يمنح تفسيرا يناقض تفسيرها. وبهذا التقييد المستبد للتاريخ، تبرر هذه العقيدة ممارسات الحاضر وتسوغها، مندثرة بسلطتها الاستعلائية لإدانة أي شيء وكل شيء تراه خارج حدودها. هكذا، مثلا، يتم دائما رفض استدعاء قاعدة أخلاقية في تراث تاريخي معين، تستطيع أن تعلمنا شيئا لإعادة تقويم انهماك المشروع الحداثي في تدمير الطبيعة على اعتبار أن ذلك الاستدعاء يتسم بالماضوية، وحيث يعتقد أن أدوات الحداثة التقدمية ممثلة في تطورها التقني تملك قدرات معالجة تلك الآثار المدمرة.

بعبارة أخرى، تستطيع الحداثة الاهتمام بشؤونها بحسب قواعدها هي نفسها، وهي ليست بحاجة إلى حکيم عجوز ليعلمها. لكن تدمير النظام الطبيعي لا يزال مستمرا بلا كلل وخارج نطاق سيطرتها، على الرغم من الكم الهائل وغير المسبوق من المعرفة والتطور التقني. في انحن نعرف الأفضل دائما»، أفضل حتى مما كنا نعرفه منذ وقت قصير مضيء ولا تعتمد فكرة التقدم على حقائق خالدة، بل على علم تقني، مرجعيته النهائية هي نفسه. ونحن نعرف دائما الأفضل لأن العلم والتقنية وضعا أسس الحقيقة وأملها قواعدها، فكل ما يقولانه في أي وقت هو الحقيقة. ويصبح العلاج العلمي المرض ما هو الحقيقة حتى يكتشف أن ضرره يزيد على النفع المفترض أن ينتج عنه، أو حتى يخترع علاج آخر ناتج أيضا عن التقدم. ولا بسأل مبدأ التقدم أبدا لماذا وجد المرض في المقام الأول، ولا يطرح أسئلة وجودية وأخلاقية عميقة عن النظام الذي أنتج تلك الأمراض أو أبنيته وطرائق عمله. والسبب هو أنه حالما يبرز التشكيك في النظام ككل، فإن ذلك يعني،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت