الصفحة 100 من 346

بالضرورة، التشكيك في العلم الذي أنتج تلك العلاجات وتقويضه آخر الأمر. هكذا تعيش العقيدة اللحظة، وهي لحظة غير مؤكدة وحقيقتها عابرة بالسرعة نفسها التي تقدم بها الحقيقة التالية. ولا تبحث تلك العقيدة عن توجيه من الماضي لأنه على ما فيه من بساطة نسبية»، يوجب عليها طرح أسئلة أكبر، لا تملك الأدوات اللازمة للتعامل معها. كما أنها لا تضمن حقيقتها نفسها في مواجهة المستقبل الذي يمتلك دائما سلطة النقض العليا.

هكذا، لا تمتلك عقيدة التقدم أساسا أو مرجعا إلا بذاتها لذاتها على التوالي. فهي مصدر السلطة بالنسبة إلى نفسها، وتكتسب صفة الألوهية على هذا الأساس، وبناء على كونه مستقلا عقليا، كما ينبغي لنا كلنا أن نكون، فقد قرر ذلك الإله من خلال العلم والعقل أن أسئلة الماضي الكبرى لا يمكن الاستماع إليها لأنه قد عفا عليها الزمن، ولا صلة لها بمنجزات الحضارة والعلم الحديثين والعقل الذي هو كوني بالطبع. لكن حقيقة الأمر تكمن في أن اهتمامات الماضي الاستمع لها لأنه ليس لدي عقيدة التقدم ما يمكنها من التمعن في الأسئلة الأخلاقية العميقة المسيطرة على ما يفترض أن يكون النطاق المركزي. ولا يعتبر غياب الاستطاعة هذا أساسا في العقيدة فحسب، بل هو أيضا نتاج کون العقيدة ذاتها ناجمة عن الوضع المضطرب لهذا النطاق الأخلاقي، هذا النطاق الذي إذا ما كان نطاقا أصلا، فإنه ليس أكثر من نطاق ثانوي. ولا تحدد مشکلات هذا النطاق وتقدم لها الحلول إلا عندما تحل مشكلات النطاق المركزي، بصرف النظر عن طبيعتها. لكن ذلك النطاق الأخير ليس أخلاقيا بكل تأكيد، وهذا هو بالتحديد السبب الذي يدفع عقيدة التقدم إلى رفض التعامل مع تلك المشكلات من طريق وصمها بالماضوية، أو بمحاولة إعادة طغيان الأخلاقية، متجاهلة حقيقة أن موقفها الفكري نفسه ليس أقل استبدادا.

وكما ألمحنا سابقا، فإن عقيدة التقدم وليدة التصور الحديث للتاريخ وخادمته 60). لقد أسبغ عصر التنوير بنية جديدة على التاريخ الذي غدا حاضنا

(60) «بميل مؤرخو العصر الحديث إلى استخدام الحاضر مقياسا مطلقا للحكم على الماضي، واعتبار مجمل التاريخ عملية تقدم لا بد منها تتوجها الأوضاع الحاضرة ... هذه الطريقة في كتابة التاريخ ليست تاريخية على الإطلاق، حيث إنها تهبط بالماضي إلى منزلة أدنى من الحاضر، وبدلا من تحرير العقل من هذا التقوقع الضيق في الحاضر بتوسيع أفقه الفكري، فهي تميل إلى توليد ما نجده لدى -

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت