كون المرء مسلما. لذلك، فإننا نحدد بصفة عامة وليست حصرية المصادر الأخلاقية في ضوء تقنيات الذات المتوافرة بغزارة في خطابات وممارسات أركان الإسلام. وقد نأت الدولة الحديثة بنفسها عن منظومة الأركان التي بات ينظر إليها باعتبارها تنتمي إلى المجال الخاص. بيد أن هذا المجال، كما سيوضح هذا الكتاب في إطار مناقشاته، وبخاصة في الفصل الخامس الذي يتناول هذا الموضوع بشكل مباشر، يغطي ما هو أوسع من المجال العام. ومن هنا، فإن البناء على تقنيات الذات لا يتضمن بأي طريقة استعادة لمؤسسات الشريعة قبل العصر الحديث ولا لممارستها أو حتى نظامها التعليمي. فهو مشروع أخلاقي من الطراز الأول، ومحاولة للبناء على الذات التاريخية من أجل التوجيه الأخلاقي، وهو مشروع للنقد الأخلاقي، والتأني الأخلاقي، والبديل الأخلاقي، ما يعني أنه مشروع يهدف إلى إيجاد فضاء أخلاقي للذات المسلمة في العالم الحديث، وهي ذات لا تقل اغترابا عن نظيرتها الغربية جراء الحداثة. وعلى هذا الأساس، فإن استعادة المصادر الأخلاقية الإسلامية، تمثل مشروعا حداثيا بقدر الحداثة نفسها. وهي كمشروع حديث، ما بعد. حداثية أيضا حتى النخاع، وبعبارة أوضح، فإن ما بعد الحداثة تفترض الحداثة وتحاول أن تتجاوزها، لكنها تظل حداثة على الرغم من ذلك.
سيشكك في هذا المشروع كثير من المعلقين، خصوصا من اعتاد منهم على التراث الليبرالي الغربي وقيمه، وسيتهمونه على الأقل بخطيئة الماضوية (56) . وأعتقد بأن الكثير قد قيل في الفقرات السابقة لدحض هذه النظرة، على الأقل بالنسبة إلى الذين يؤمنون بأن المشروع الليبرالي لا يحتكر الحقيقة، غير أنه لا تزال هناك جمهرة من المشككين. وردهم المتوقع على المشروع الإسلامي للإحياء الأخلاقي هو أن هذا المشروع يظل ماضوا، ولا مكان له في العالم الحديث، وهو رد نجده حتى لدى أولئك الذين يناقشونه کموضوع علمي، ولذلك، يتعين علينا الآن التعامل مع هذه التهمة والكشف عن مضامينها الفكرية والمذهبية.
(56) عن تاريخ فكرة الماضوية، انظر: Nauman Navi
وکا