من أخلاق الشريعة، فالمجال الاقتصادي كان ملتزما الشريعة، لأن المجتمع، وهو موضوع الشريعة وغايتها وأساسها، كان شرعيا. وعلى الرغم من أن الحكم السياسي أقل التحاما بالمجال الاجتماعي منه بالاقتصادي، فقد كبحته ثقافة ومجتمع لم يعرفا أو يقبلا بصفة عامة أي شيء غير الشريعة ومنظومتها الأخلاقية
لا يعني هذا بالطبع أن الوضع النموذجي للشريعة قد ضمن حياة مثالية. وكما أكدنا سابقا، فإن النماذج أو النطاقات المركزية لا تدعمها النطاقات الثانوية وحدها؛ فالنطاقات المركزية تمثل مع الثانوية استثناءات وخروقات وتجاوزات تعتبر كلها خطابات مثبطة، غالبا ما تكون عابرة ومؤقتة وقد لا تكون، أما الشريعة فليست استثناء، فقد اضطرت للعيش في مجتمع مضطرب كان بحاجة دائمة لأشكال معينة من النظام والتنظيم، شأنه شأن أي مجتمع آخر، وقد عرف هذا المجتمع الفلاح المرهق بالضرائب والمجرم والمرابي الوقح والزوجة التعيسة المهانة. وكأي مجتمع آخر (ومن دون مقارنته بأوروبا القرون الوسطى التي غلب عليها الإفراط في العنف والقمع، إضافة إلى سوء استخدام الكنيسة للسلطة) ، كان للمجتمع الإسلامي من شمال أفريقيا والأندلس إلى جاوة وسمرقند نصيب من البؤس. فقد كان له من غزوه واحتلوه، كما كان له متمردوه ونشالوه ولصوصه وقطاع طرقه، بل وقضاته الفاسدون أحيانا (45) . لكن القانون الأخلاقي كان مهيمنا دائما بلا منازع، كما ستري، واستمرت خطاباته وممارساته النموذجية في تأكيد نفسها بالإنتاج المستمر لنظام معين (46) . ولطالما أمكن للواقع الاجتماعي المضطرب - متمثلا
(45) من منظور مثل هذه الانتهاكات والاستثناءات داخل النموذج، نستطيع إضافة ما يسمى بالجيل، وهي مجموعة ثانوية من الوسائل القانونية (التي لم تلق فيولا نط في الأدبيات القانونية السائدة) وكان يمكن من خلالها تلافي أحكام الشريعة ومبادئها، إضافة إلى أغراضها الأخلاقية، عن الحيل، انظر:
و 510. Encyclopaedia of Islam