القانون (بالمعنى الحديث) أداة وطريقة خاضعتين للمنظومة الأخلاقية العامة ومنشبكتين فيها، لكنها لم تكن غاية في حد ذاتها. فالقانوني في الشريعة أداة للأخلاقي وليس العكس (41) . وبحكم كونها نظاما مركزيا، كانت الشريعة هي المقياس الذي يجري على أساسه تقويم النطاقات الفرعية، كما أنها حددت حلولها بدرجة كبيرة حول تلك النطاقات. ففي المجالات الفكرية، حددت بنية التعليم الإسلامي أولويات من وضع الشريعة. ونطاق الشريعة هو الذي
خلق مجالات مثل اللغة وعلومها والتفسير والمنطق والبلاغة والجدل ونظرية المعرفة وطورها وصقلها، بل إن الرياضيات والفلك - اللذين أصبحا أسس العلم الأوروبي الحديث في مرحلة مبكرة) 42 - تطورا بدرجات مذهلة استجابة الدوافع شرعية، ولطالما كانت الشريعة مرحلة التعليم الجامعي الأولى، لأي عالم أو مفكر بغض النظر عن تخصصه النهائي. وهي، في خطابها الرسمي لا تطرق عموما للمشكلات في النطاقات الأخرى 43)، إذ تفترض أنها ثانوية كقاعدة عامة وتحتاج إلى حلول بهذه الصفة. وقد خدمت تلك النطاقات الأخيرة مطالب الشريعة وأولوياتها، وغالبا ما شممت ونظمت لخدمة احتياجاتها 44
وفي المجال العملي، فإن الحياة الاقتصادية، على ما فيها من اضطراب، لم تخضع لأحكام الشريعة التقنية فحسب، بل كذلك لمنظومة واسعة النطاق
(41) ما يتضمنه هذا هو أنه بينما تكون القواعد الأخلاقية العامة، أو «الكلبات الأخلاقية» ، ثابتة لا تتغير، فإن القواعد القانونية التي لا بد أن تحتل مكانة ثانية وثانوية، يمكن أن تتغير حسب احتياجات المكان والزمان، ثمة هنا علاقة جدلية مستمرة بين متطلبات الكليات الأخلاقية ومتطلبات الحياة والشؤون التي ينظمها القانون، وهنا بالتحديد ينظم اما ينبغي أن يكونا بما هو كائنا ويكبحه باستمرار. التحليل أكثر استفاضة لهذه القضية وغيرها، انظر الفصل الرابع من هذا الكتاب. (42) انقر George Saliha
(43) مثل اللغة وعلوم القرآن والحديث والعقيدة والمنطق والتصوف
(44) أكثر الأمثلة وضوخا على ذلك الحديث و مباحث أحكام القرآن، وهو ما يشمل المباحث الفرعية المرتبطة بها، مثل أسباب النزول والتفسير
و