الصفحة 82 من 346

المركزي يظل مرکزيا ما دام توازن علاقات القوة يسمح لتلك القيم بأن تحدد قواعد اللعبة وعلاقات القوة في النظام. ولا يقل أهمية عن ذلك، الاعتراف بأنه يوجد دائما في كل من النطاقات المركزية والتابعة خطابات مثبطة وأستراتيجيات مقاومة تتحدى الخطابات النموذجية، أي الخطابات التي تشكل النطاق المركزي وقيمه وتعكسه وتدافع عنه.

يسمح طرحنا لمفهوم النموذج، إذا، بالتعدد في إطار الوحدة، وبالاستثناءات والانتهاكات، إضافة إلى الخروج على القاعدة (Irregularity) والانحراف عن الطبيعي (Abnormality) . ولكن إذا كانت تلك قوى هدامة، كما هي عليه بحكم تعريفها، فهي كذلك تحديدا لأنها لا تحدد النطاق المركزي بصورة إيجابية مع أنها قد تحدده بصورة سلبية بحكم الاستجابات التي يقدمها النطاق المركزي لمواجهة تحديها. ومع ذلك، فحالما يستطيع أي من تلك القوى نسف النموذج القائم واستبداله بوصفه محل قيمة أو قيم عليا، فإن ما كان نموذجا أو نطاقا مركزيا سابقا ينضم الآن إلى صفوف القوى المثبطة أو يختفي كليا.

تشهد على هذا التحول في النموذج كل الظواهر الحديثة تقريبا، بدءا من خلق تمايز بين الحقيقة والقيمة وما هو كائن (Is) وما ينبغي أن يكون (Ought) ، وانتهاء بالدولة البيروقراطية الحديثة والرأسمالية الحديثة والقومية (وهذه أمور تعنينا بصورة مباشرة في الكتاب بأكمله) . ومن هنا، فإننا نستطيع أن لا تقصر حديثنا على نموذج للدولة الحديثة (مكون من نطاقات مركزية وثانوية) ، بل نتحدث عن نموذج حكم إسلامي أيضا، وسوف نناقش نموذج الدولة الحديثة في الفصل التالي، لكنا يجب أن تلتفت الآن إلى النموذج الأخير.

سوف تتضح الخصائص والتبعات الكاملة النموذج الحكم الإسلامي في الفصول من الثالث إلى السادس، لكن علينا التأكيد هنا أن الشريعة في الشعار المميز لذلك النموذج، فقد مثلت الشريعة، كما سيتضح في الوقت المناسب، قانونا أخلاقيا وتشكلت به، وهو ما يفسر أهميتها بالنسبة إلينا كمصدر أخلاقي للمشروع الحدائي (أي ما يعادل أرسطو والأكويني في طرح ماکنتاير) . ذلك أن وضعها النموذجي، في رأينا، يكمن في كونها نظاما أخلاقيا شگل فيه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت