و *
المصغرة للاختلافات الكونية المادية والبنيوية والدستورية، إضافة إلى الفلسفية والفكرية التي لا تقل أهمية
المناقشة هذه الفكرة، ستسلم جدلا في الفصل السادس بأن نمطا من الحكم الإسلامي قد يأتي إلى الوجود، على الرغم من كل الفرص الضعيفة والمعوقات القوية. وستحاجج بعده بأن الأشكال الحديثة للعولمة ووضع الدولة في هذه الأشكال المتعاظمة القوة، يكفيان لجعل أي صورة من الحكم الإسلامي، إما أمرا مستحيل التحقق وإما غير قابل للاستمرار على المدى البعيد، هذا إذا أمكن قيامه أصلا. بيد أن النتائج الكلية لهذه النقطة وما تطرحه الفصول السابقة واضحة: إذا أخذنا كل العوامل في الاعتبار، فإن الحكم الإسلامي لا يستطيع الاستمرار بحكم الظروف السائدة في العالم الحديث.
بناء على مفهومي النموذج والنطاق المركزي (Central Domain) ، ننتقل في الفصل الأخير إلى تفحص مأزق أخلاقية حديثة، مع الإشارة إلى أسسها المعرفية والبنيوية، بصفتها تؤسس لأصل الأزمات الأخلاقية التي واجهتها الحداثة في كل صورها الشرقية والغربية. ونحن نؤكد أنه إذا كانت استحالة فكرة الحكم الإسلامي في العالم الحديث ناتجة بصورة مباشرة عن غياب بيئة أخلاقية مواتية تستطيع أن تلبي أدنى معايير ذلك الحكم وتوقعاته، فمن الضروري ربط هذه الاستحالة الأخلاقية بالسياقات الإشكالية الأكبر التي أفرزتها مشكلات الحداثة الأخلاقية. وبناء على ذلك، فنحن نزعم أن هذه الاستحالة هي مجرد تجل آخر - ومصاحب
على الدوام - لعدة مشكلات أخرى، ليس أقلها شأنا الانهيار المطرد اللوحدات الاجتماعية العضوية، ونشأة أنماط اقتصادية استبدادية، إضافة إلى ما هو أكثر أهمية من ذلك، ألا وهو الدمار الشامل للموائل الطبيعية (Natural Habitat) والبيئة، وهذا الكتاب يعتبر كل هذه قضايا فلسفية - أخلاقية ومعرفية بقدر ما هي فضايا مادية وطبيعية. والواقع أننا إذا أمعنا النظر في النقد الأخلاقي الداخلي بعد الحداثة الغربية، نجد نظائر قريبة، بل متطابقة بدرجة كبيرة، بين ذلك النقد والمعاني المسترة للدعوة الإسلامية الحديثة لتأسيس حكم إسلامي.