وعلينا أن نتذكر أن المسلمين يمثلون اليوم نحو خمس سكان العالم، وأنهم بقدر ما يعيشون في العصر الحديث، فإنهم يعيشون أيضا مشروع الحداثة. إنهم، شأنهم شأن غيرهم، جزء من ذلك المشروع. وأطروحة هذا الكتاب هي أن ذلك التناقض الذاتي الأصيل في مفهوم الدولة الإسلامية الحديثة يقوم في الأساس على مازق الحداثة الأخلاقي، وعلى الرغم مما للسياسة والاقتصاد من ارتباط وثيق بهذا التناقض، فإنهما يتبعان من هذا المأزق الأخلاقي، ما يعني أن حل تلك التناقضات كقضايا أخلاقية يفضي بالضرورة إلى حل المشكلات السياسية والاقتصادية. وبعبارة أوضح، فإن التناقضات الجوهرية في أي مفهوم لدولة إسلامية حديثة - بحكم التأثير الرأسي القوي والقوة الأفقية الطاغية للدولة الحديثة. لا تلتقط الطيف الكامل لما يوصف به أزمة الإسلام الحديثه فحسب، بل تنطوي أيضا على الأبعاد الأخلاقية لمشروع الحداثة في عالمنا من البداية إلى النهاية، وعلى هذا الأساس، فإن هذا الكتاب هو مقال في الفكر الأخلاقي أكثر من كونه تعليقا على النواحي السياسية أو القانونية.
الشرح أطروحتنا هذه، يجب علينا أولا أن نصل إلى وصف ما سنسميه احكما إسلاميا نموذجيا، وا دولة حديثة نموذجية، وهو ما سيتناوله الفصلان الأول والثاني على التوالي. غير أن الفصل الأول يرسم كذلك حدود مفهوم
النموذج (Paradign) ، كما نستخدمه هنا، لأنه مفهوم مركزي في أطروحتنا الكلية، ولأن هذه الأطروحة ستصطدم بكثير من الافتراضات الحداثية عن القانون والسياسة والأخلاق ومعنى الحياة الفاضلة، يتعين علينا أن نتناول الأيديولوجية التي تكمن في تفكيرنا - بل تسيطر عليه - في ما يتعلق بالحداثة وإنجازات مشروعها، ولذلك، يجب مناقشة الافتراضات المستترة وغير المستترة الداعمة لخطاب الحداثة، وبالأخص الخطاب البلاغي والموضوعي النظرية التقدم الحديثة. ومن جهة أخرى، يسعى الفصل الثاني إلى تحديد ما سندعوه خصائص الشكل (Form Properties) التي تمثل الصفات الجوهرية للدولة الحديثة في عرضنا هذا، مع الاعتراف في الوقت نفسه بالتغيرات المتزامنة والتنوعات المتلاحقة في تكوين تلك الدولة.
سيجري، لأغراض تحليلية، تفكيك هذه الخصائص الشكلية التي يعتمد بعضها على بعض في تكوينها وآثارها. وفي الفصل الثالث ستناقش مفاهيم