لقد نشأت فلسفة عصر التنوير الميكانيكية نموذجية، بمعنى أن أتجاه الحداثة للسيطرة على الطبيعة أدى إلى تقنين مفهوم الموارد الطبيعية (34) الذي تطبع الآن تماما في بني الحداثة الاجتماعية الصناعية ومؤسسات الحكم وسياساته، ناهيك بكل كتاب مدرسي من كتب الجغرافيا التي تدرس في المدارس الابتدائية والثانوية الحديثة. إن خطاب الموارد الطبيعية، وممارسته - وهما خطاب وممارسة شديدة الاستغلالية والعنف - يتولدان بالضرورة من تجريد الطبيعة من كل قيمة. وحين تكون الطبيعة المتوحشة وابليدة)، فإنه يمكن للمرء أن يتعامل معها من دون أي قيد أخلاقي، وهو ما يحدث بالضبط منذ أوائل القرن التاسع عشر.
غير أن هذا ليس كل شيء. قالنقطة الأكثر أهمية في عزل المادة بوصفها امتوحشة» وابليدة» هي الظاهرة شديدة الأهمية الناتجة عن ذلك والمتمثلة في فصل الحقائق عن القيم، وهو عامل رئيس وجوهري من عوامل مشروع الحداثة، وحين تكون المادة، بحد ذاتها، خلوا من القيمة، فإن بوسعنا أن نتعامل معها كشيء أو موضوع. يمكن أن ندرسها ونخضعها لكل ما في جعبتنا من أساليب التحليل من دون أن تفرض علينا أي اعتبارات أخلاقية (24) . وقد أدى فصل المادة هذا عن القيمة إلى ظهور ما سمي بالعلم الموضوعي والمنفصل، وهو ما نجد نظراءه في مجالات أكاديمية مثل العلوم والاقتصاد والإدارة والقانون والتاريخ وخلافه، وكل هذه المجالات تدعي نوعا من الموضوعية، طامحة على الدوام إلى أن تكون كالعلم الطبيعي في انفصاله واعلميته». وفي كل هذه المجالات التي شكلتها ورعتها الدولة الحديثة (25) يستطيع العالم أن يدرس الآخر المادي بصورة مجردة من العاطفة وبلا تبعات أخلاقية أو قيمية. ذلك أن إفساح المجال لتلك التبعات كفيل بأن
(24) بهذا المعنى أيضا، وليس من حيث الأخلاق العقلانية النموذجية فحسب (انظر النص نفسه عند هامش او في الفصل الأول من هذا الكتاب، يكون طرح مثل طرح غ. ستيوارت(seetah Entirement) (Stewan .6) غير قابل للتحقق. انظر أيضا مناقشتا للنموذج في الفصل الأول من هذا الكتاب
وفي مواضع أخرى من المقال?
(25) المزيد عن هذا، انظر الجزء الأول من الفصل الخامس من هذا الفصل