الصفحة 300 من 346

يتسم هذا الارتباط العضوي بين البنية الفكرية للسيطرة من جهة، والأخلاق والقيم من جهة أخرى، بأهمية مباشرة بالنسبة إلينا. وكان هذا الارتباط قد تشكل في مرحلة باكرة من عصر التنوير، عندما راح يظهر من يدعون بالفلاسفة الميكانيكيين (mechanical philosophers مثل بويل(Boyle) ونيوتن (Newton) . حتى ذلك الوقت، إنما بصورة متضائلة باطراد، كانت أوروبا تحت سيطرة أنماط من الفكر والسلوك نابعة من الأفكار المدرسية (السكولائية) والأرسطية حول المادة التي يوجهها مخطط للحركة ذكي ومشحون بالقيمة (أي إن تشکيل أوروبا الخطابي كان قائما على تلك الأنماط من الفكر والسلوك) . وكان ينظر إلى الأجسام على أنها تتحرك بواسطة خطة عالمية تبعثها النية وتشحنها العاطفة (روح العالم(anima mundi ) ) . وقد خرج القرن السابع عشر بمجموعة من الفلاسفة الطبيعيين ردوا على النظرة الآلية للعالم مؤكدين أن الطبيعة تعمل بطريقتها الخاصة التي أرسى الله خطتها ثم انسحب من المشهد، إذا جاز التعبير، كما شدد هؤلاء أنه على الرغم من أن الله وضع الخطة فإنه لا يمكن عزو الخلق من العدم إليه. فالطبيعة موجودة، وهي ما هي عليه، وهي منفصلة عن الخلق الفعلي، وهو ما يعني قطع الصلة الكاثوليكية المباشرة بين الخالق والمخلوق، شأنها شأن كل صلة بين المادة والروح. لكن الفلاسفة الميكانيكيين مضوا أبعد من هذا بكثير، مؤكدين أن المادة المتوحشة وابليدة، بل واغبية (22) . فكل الفواعل الروحية (the anima) ، ش طبت من الكون، ما جعل المادة غير ذات معنى روحي وإن ظلت لها أهمية بمعنى مادي متمرکز حول الإنسان، فإذا ما كانت المادة توجد في صورة متوحشة، وابليدة، فإن السبب الوحيد لوجودها لا بد أن يكون عندئذ هو خدمة الإنسان. وقد مثل روبرت بويل الفيلسوف الميكانيكي البارز هذه الحركة خير تمثيل عندما أفاض في مناقشة فكرة أن الإنسان ?لق ليمتلك الطبيعة ويحكمها» (23)

(22) يجد القارئ مختصرا فعالا وتحليلا تايتا ثاقبة لهذه الأفكار، في:. Ateel Bilgami

دا. Margart C .467

2 وفي مواضع أخرى من الكتاب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت