أخرى، كانت تلك ثقافة مشبعة بالمفهوم السياسي للمسؤولية الأخلاقية. وكان هذا هو النموذج للحكم التنفيذي. وشأن النماذج الأخرى كلها (كما ناقشنا في الفصل الأول) ، لم تغير الانتهاكات الصغيرة والكبيرة التي كانت ترتكب من وقت إلى آخر من حقيقة كونه نموذجا. و كان المقصود من كل هذا أن يبقى هناك خ ط اتصالي مفتوح دائما بين الرعية دافعة الضرائب والنظام الحاكم، وهذا يفسر اشتمال مجالس الحاكم وولاته، التي كانت تجتمع بصورة منتظمة، على القضاة وجامعي الضرائب وعلية القوم وكبار المفتين وممثلي الأحياء وجمهرة من الشخصيات الأخرى من الشعب، وبذلك كان لهؤلاء المسؤولين المحليين مصالح متقاطعة خففت من حدة الولاءات التي كانوا بديژون بها للسلطان والدولة، وتوازنت مع مصلحتهم المحلية في الحفاظ على شبكاتهم الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية. وبالفعل، فإن القضاة المحليين والمفتين وممثلي الأحياء والطوائف المهنية، بل وجامعي الضرائب كانوا يشاركون في اجتماعات المجلسه كمدافعين عن مصالح جماعاتهمه وهو ما كان يسوغ تعيينهم في المجلس في المقام الأول.
3 -مقارنات ونتائج تصل بنا مناقشات هذا الفصل إلى نتيجتين على الأقل تتعلقان باربع من بين شمس شواص للشكل تتسم بها الدولة وكنا قد فصلناها في الفصل السابق. النتيجة الأولى هي أن الإسلام، كحضارة عالمية، نور أخلاقا قانونية نموذجية راسخة تاريخيا حددت هويته. ومن الواضح أنه لا يمكن أن يكون هناك إسلام، أو بالأخص ثقافة أخلاقية - قانونية إسلامية خارج التاريخ، لأن التاريخ بقواه وظروفه هو الذي أدى إلى نشأة هذه الهوية القانونية - الأخلاقية. وما يعنيه أن يكون المره مسلما هذه الأيام هو، من نواح أساسية، أن يرتبط بتلك الأخلاق التي تحددها الشريعة، فالأخلاق هي التي كانت، وما زالت، تشكل الإسلام وستبرهن الفصول المقبلة على هذا الطرح باستفاضة، ولكن يكفي ان القول إن تكوين الهوية الإسلامية يعني سيادة الشريعة باعتبارها الأخلاق الحاكمة