في حين خضع السكان المدنيون لقانون الشريعة، خضع موظفو الحكومة - بمن فيهم الجيش والشرطة وفئة أمناء السر الإداريين والقضاة - لقانوني آخر، يمكن أن يسمى بحق القانون السلطاني 162). وبعبارة أخرى، بينما لم يعاقب رجل أو امرأة، مسلم أو مسيحي أو يهودي مدني من دون محاكمة في المحاكم الشرعية - وهي مستقلة عن إرادة الحاكم بدرجة كبيرة. كان القانون السلطاني مطلقا في ما يخص الحاكم نفسه ورجاله، بمن فيهم القضاة الشرعيون.
لم يكن متوقعا من الحاكم نفسه احترام قانونه الخاص فحسب، بل قانون الشريعة أيضا، وهو الأهم. وباعتباره ش خصا عاديا، فقد ظل الحاكم، كبقية رعاية الشريعة العاديين، عرضة لأي دعوى مدنية، بما في ذلك قضايا الديون والعقود والتعويضات المادية. وبالمثل، كان يمكن عقابه على أي انتهاك القانون العقوبات الشرعي والحدود القرآنية (163) ، وقد قام المنطق في كل هذه المجالات على افتراض أن كل المسلمين، الضعيف منهم والقوي، متساوون في حق الحياة والتملك وفي التزاماتهم نحو بعضهم (164) ، أما في ما يتصل بالشريعة، فلم يتمتع السلطان ورجاله بأي حصانة خاصة.
في المجال السياسي - الأخلاقي»، كان الحلم والرحمة والعفو شبه المطلق معايير متوقعة للحكم يمكن أن يؤدي انتهاكها إلى العزل أو حتى إلى القتل، وكانت السلطة السياسية مضطرة إلى احترام هذه المعايير والتصرف بطريقة مسؤولة أخلاقيا وقانونيا إذا ما أرادت أن تكتسب أي شرعية (165) . وقد اضطر حتى أقل الباحثين الأوروبيين تعاطفا مع النظام القانوني الإسلامي إلى الاعتراف بهذه الخاصية. فالشريعة أحجمت من إرادة الأميره الذي كان يلتزم (القانون) ؛ كما أن الممارسة على امتداد الزمن جعلت بعض
(163) الحدود في جرائم محددة في القرآن، تتضمن بصفة عامة الزنا والقذف وشرب الخمر والسرقة وقطع الطريق والبغي والردة. انظر
(164) ينهض هذا الافتراض على الكليات الخمسة الخاصة بالشريعة والمشروحة في الجزء الثاني من الفصل السادس من هذا الكتاب
(165) أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة، کتاب السلطان، في: السلطنة في الفكر السياسي الإسلامي، ص 125. 120، وابن عبد ربه، ص 160 - 143 و 174 - 190.