الصفحة 270 من 346

وإضافة إلى الضرائب، عاد ما اشتملت قواعد السياسة الشرعية أمورا متعلقة باستخدام الأرض والقانون الجنائي أحيانا وبعض جوانب الأخلاق العامة التي يمكن أن تؤثر في الوئام الاجتماعي، والحال، إن هذه السلطات التي تمنحها اللحاكم السياسة الشرعية، لم تكن متماشية، نظريا، وإلى حد بعيد عمليا، مع ما يمليه القانون الديني فحسب

؛ بل كانت، كما سنرى بعد قليل، امتدادا أساسيا لهذا القانون. لذلك، لم تشكل ممارساتها السليمة انتهاگا لهذا القانون بأي حال من الأحوال.

هكذا، استلزمت السياسة الشرعية وضع ملحق بالقواعد الإدارية يمكن الحاكم من ممارسة سلطات فعالة في تأديته مهامه. (ويلاحظ هنا أنه على الرغم من كل قواعد السياسة الشرعية فإن أيا من الخطابات الفقهية أو غيرها لم ترتق إلى مرتبة نظرية في الدولة) (160) . وفي أغلب الأحيان، كانت القواعد الإدارية تكتفي بتأكيد أحكام الشرع، لا لتأكيدها فحسب بل أيضا لتصوير الإرادة السلطانية على أنها شرعية التوجه. وفي هذه الحالات، لا تخفى محاولات إضفاء الشرعية، بيد أن القواعد الإدارية كانت تعزز بالفعل بعض أحكام الشريعة، خصوصا في مجالات تتعلق بالنظام العام، وهو أساس أي

(160) يوجد في كتاب العظمة، Muslim Ringship، الكثير مما يمكن مخالفته عليه، بيد أن الملاحظة الآنية ليست خارج مجال المناقشة فحسب بل ثاقبة أيقا, أمن الواضح أن الكتابات العربية، والإسلامية بوجه عام، عن السياسة في القرون الوسطى، لا تحتوي على نظرية للدولة ولا تشكل مثل هذه النظرية. كما أنها لا تنظر إلى الملك باعتباره أكثر من مجموع النشاطات الملكية التي توصف و ثرئب، ولكن لا ينظر لها. صحيح أنه توجد في العموم مؤشرات على أنواع الحكومات، أكان نهوضها على الدين أم العقل أم الهوى، بيد أن هذا تصنيف الدوافع الملكية وليس نظرية للدولة، فالدولة هنا رأي عند ابن خلدون نشاط مجرد بشخصن في أعمال الملك التفصيلية، حيث التاريخ هو تاريخ سلالة ملكية معينة وليس تاريخ الدولة، وفي هذا، كان ابن خلدون متفقا مع التراث التاريخي الذي كان وريثه الأمين في ممارسته التاريخية، بصرف النظر عن نيته التخلص من بعض عناصره. إضافة إلى ذلك، لم تكن الكتابة عن الدولة، حتى عندما صرت في الكتابة عن شخص الملك وبعض الأعمال في عهده، جزها من الكتابة عن السياسة بصورة رسمية، وإنما كانت جزءا من الكتابة التاريخية، حيث الدولة ليست أكثر من امتداد زمنى للسلطة» (ص 113 - 114) . يمكن تلخيص هذه الظاهرة ببساطة بالقول إنه لم يكن من الممكن وجود نظرية للدولة لأن الدولة نفسها لم تكن موجودة، ويصبح هذا الغياب لنظرية الدولة أكثر جدارة بالملاحظة حين تعلم أنه في الوقت الذي وضع الفقهاء المسلمون نظرية لكل مجالات العمل المهمة، ظلت الدولة وسلطتها التنفيذية السلطانية ثانوية بالنسبة إلى نظريات الشريعة وامتدادا لها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت