فترات معينة في التاريخ الإسلامي قد وصفت بصورة مشابهة، كما هو الحال، مثلا، في العقود الثلاثة أو الأربعة الأخيرة من حكم المماليك (151)
يعني كل ذلك أن الحاكم التنفيذي كان يقف بمعزل عن السلطة التشريعية، وحتى عن السلطة القضائية، كونه خاضعا لأوامرها من نواح كثيرة ولقد تطلبت النظرية والممارسة الفقهينان - السياسيتان الإسلاميتان (السياسة الشرعية) كل هذا القدر، و قت النظرية موضع التطبيق إلى حد كبير، ومن الحقائق الدستورية الجوهرية هنا أن الشريعة نفسها هي التي حددت للحاكم سلطات معينة، وفي حين لم يلتزم كل حاکم بكل ما تمليه السياسة الشرعية، فإن الوضع القائم يشير إلى أن الشرع النموذجي كان كذلك بالفعل، نموذجيا، بمعنى أن أفعال الحاكم كان يحكم عليها من خلال هذا المعيار الملتزم بالشريعة والقائم عليها، وكانت خيانة مبادئ السياسة الشرعية حكما فاسدا
بنيح ما سبق مزيدا من التعليق على التخيل الغربي الاستشراقي واسع الانتشار لمفهوم الاستبداد الشرقي». فقد اكتسب المفهوم ثقلا إضافيا استنادا إلى الحديث النبوي الموضوع الذي يصرح بأن اجور ستين سنة خير من هرج ساعة» (152) ، واعتبر هذا دليلا على أن الشرقيين، خاضعون بطبيعتهم ولديهم بالتالي قدرة طبيعية على احتمال الاستبداد والظلم (لا حاجة للقول إن مثل هذا التفكير ضروري لتبرير الاستعمار في الماضي والحاضر) . وبينما يعكس الحديث فهم المسلمين الدقيق لأنظمتهم وممارساتهم السياسية - القانونية فإن التفسير الاستشراقي له خاطئ تماما. فالألفاظ الرئيسة هنا هي الجور» أو
الاستبداده و الهرج» أو «الفتنة» . وإذا عرفنا «الاستبداده بمعايير أوروبية تسبق القرن التاسع عشر، وهو الوقت الذي صيغ فيه مفهوم الاستبداد الشرقي، يتضح أننا نتعامل هنا مع إسقاط المفهوم الأوروبي للملك - الذي كان سلطة
وانظر ايضا الإساءات المتفرقة لاستخدام النظام القانوني من الولاة والحكام في: المصدر نفسه ص 2 و 3 و
(152) بخصوص حديث يتعلق بهذا الموضوع، انظر: أبو الحسين مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، تحقيق أيمن الزاملي ومحمد مهدي السيد، و ج (بيروت: أعلام الكتب، 1998) ، ج 3، م 334، 352