اللغة، ونظرا إلى افتقارهم إلى الآلة البيروقراطية التي تتمتع بها الدولة الحديثة، لم يكن بوسع هؤلاء اختراق المجتمع إدراي (148) ، واضطروا لقبول ذلك، ووجدوا في الشريعة أداة حكم جاهزة الصنع، وفي الفقهاء وسطاء مهمين بصفتهم ممثلي الأمة. هكذا، قبلوا بشروط الشريعة وأدوا واجباتهم تجاه الأمة وفقها، وحصلوا على المنافع المالية التي استطاعوا الحصول عليها في حدود المعقول غاليا?
لم يلتزم كل الحكام، بطبيعة الحال، بقواعد الشريعة بالطريقة ذاتها أو بالقدر ذاته، بيد أن الامتثال كان نموذجيا بصفة عامة. وبهذا الصدد، ثمة مثال توضيحي مستمد من سياستنا الحديثة. فلا يستطيع أحد التنبؤ بكيفية إدارة الرئيس الأميركي أو رئيس الوزراء الكندي شؤون الدولة فور انتخابه. وقد ينتهي الأمر ببعضهم إلى تدمير الاقتصاد الوطني، وقد يجر بعضهم الآخر الدولة إلى حروب ضروس، وبعضهم قد يكون أكثر مسالمة وأقل رعونة من الآخرين، وقد يحمي بعضهم الحقوق الأساسية بينما يهضمها آخرون بلا هوادة. لكن هؤلاء الرؤساء ورؤساء الوزراء كلهم - على الرغم من الزعم بأن سلطاتهم قد تمثل تهديدا خطاه له التراث الدستوري لدولهم (149) - ملزمون بالعمل بالقواعد والمعايير العامة التي تتسم بها الديمقراطيات الليبرالية، كما هو الحال في الولايات المتحدة وكندا. وقد وجدت التنوعات نفسها في الحكم السلالي الإسلامي، إنما مع اختلافين دستوريين: (1) حددت الشريعة قانون البلاد ووفرت معايير الإدارة السياسية التنفيذية (أو السياسة) ، في حين تمتلك السلطة التشريعية في الديمقراطيات الليبرالية الحديثة سلطات أقل بالمقارنة معها، (2) تتمتع السلطات التنفيذية والإدارية في الديمقراطيات الليبرالية بمزايا تشريعية أكبر من التي تمتعت بها السلطة التنفيذية السلطانية. ويمكن أن نضيف أنه كما أن هنالك إحساسا لدى بعض الباحثين الدستوريين بأن الرئاسة الأميركية باتت تشكل خطرا على التراث الدستوري، بل واعامل تخريب أساسيا» (150) ، فإن
(148) بخصوص الأشكال المتعددة للفصل بين الأمة والدولة، انظر: كوثراني، ص
انظر أيضا مراجعة لويس فيشر (L F لكتاب أکرمان(10) انظر الهامش السابق.