الدين، أما «الدولة التي تحكمها فموقتة وزائلة، لا روابط جوهرية أو عضوية أو دائمة تربطها بالأمة وشريعتها (147) ، فهي وسيلة لغاية. وكما يستأجر المرء مدبرا لبيته كي يديره حسب معايير معينة، كذلك تنشأ الدولة وسلطانها المستاجر نوعا ما لإقامة عالم الشريعة الاجتماعي والحفاظ عليه بالنيابة عن الأمة. وكما أن مدير المنزل يمكن تغييره، كذلك الدولة. والفرق هنا هو أن نهاية الدولة لا تحدث بقرار مستقل من جانب الأمة. فعندما تبلغ دولة نهايتها يكون ذلك بسبب صعود دولة أخرى أكثر قوة، تصبح هي الحامي الجديد المستأجر والمدبر لبيت الأمة (حرفيا، دار الإسلام) ، وتنجح الدولة الأقوى وتنال شرعية الشريعة بفضل حقيقة أنها الخادمة والمنقذة الأكثر فعالية وكفاءة للشريعة وقواعدها.
هذه الطبيعة الوقتية التي تميز الحكم السلالي وتقف في تعارض صارخ مع ديمومة الأمة وشريعتها، هي أمر جوهري لاستيعاب المفهوم الإسلامي للفصل بين السلطات، وبالتالي لفهم النظرية والتطبيق الدستوريين الإسلاميين. وتزداد أهمية هذا التباين، بصور جوهرية، عندما ندرك أن الأمة والشريعة، وعلى امتداد اثني عشر قرنا من التاريخ الإسلامي (أي إلى أن دمر الاستعمار البنى السياسية والتعليمية والاجتماعية الإسلامية) ، كانتا قد شهدتا استقرارا نسبيا نادر الحدوث في التاريخ البشري. ويمكن مقارنة هذا بتعاقب الأسر والجماعات الحاكمة في جزيرة العرب وآسيا الصغرى خلال فترة القرون الاثني عشر نفسها، حيث شهدت كل واحدة من هاتين المنطقتين ما يقرب من ثماني عشرة دولة، كما شهدت إيران ما لا يقل عن أربع وعشرين دولة، وشهدت مصر ثماني دول (وهو عدد قليل بصورة استثنائية) .
كان حكام البلاد الإسلامية، عموما، غرباء عن المناطق التي حكموها. وكثيرا ما كانوا غير مسلمين اعتنقوا الإسلام في مرحلة لاحقة، وغالبا ما تطلب الأمر جيلا أو جيلين ليتعودوا على القيم والعادات الإسلامية المحلية وعلى
(147) ربما يفسر ذلك أن الأعمال الفنية الإسلامية (الفقه وأصول الفقه والقواعد والأشباه والنظائر وخلافه) لم تستخدم في خطابها على مدى إحدى عشر قرنا تفظ الدولة أو أيا من مشتقاته. فالإشارة تكون دائما إلى السلطان، ليست هنا إلى الحاكم كشخصي سياسي، ولكن إلى الحكومة أو السلطة التنفيذية كمفهوم مجرد، وهو الشيء الثابت في الحكم الإسلامي