القانون، كما صاغته السلطة التشريعية، أي إنها كانت تطبق قانون الشريعة الأخلاقي لا قانون الحاكم صاحب السلطة التنفيذية السلطانية.
ثانيا، ينظر خطاب الشريعة النموذجي إلى القاضي بصفته المفوض الاسمي فحسب لا المفوض الحقيقي للسلطان أو الخليفة. وفي هذا الخطاب الفقهي - السياسي الشرعي يعتبر الحاكم ممثلا للأمة (131) ، ويكون تعيينه وإقصاؤه القضاة مجرد نتيجة لهذا التمثيل (132) . وهذا بالتحديد هو سبب عدم انتهاء مدة عمل القاضي بخلع الحاكم الذي عينه أو تنازله عن الحكم أو وفاته (133) . وتشمل هذه الطبقة من التعيينات وظائف أخرى لمن يطلق عليهم اسم الموظفون العموميون»، مثل أمين بيت المال، ونظار الأوقاف، وأمير الجيش 134 (وقد اعت كل هذه تعيينات عامة، واعتبر الحاكم مجرد وسيط، وهذا يفسر أيضا السبب الذي جعل التعيينات السلطانية في القضاء تحدث بعد مشاورات مسبقة مكثفة مع طبقة الفقهاء في المحلة التي يعين فيها القاضي، علاوة على كبار الفقهاء الذين يترددون
(131) للمزيد عن هذا، انظر:
(132) ابن قدامة، ج 11، ص 479، وابن الحاجب، ص 463. يؤكد الفقيه المبرز الكاساني على أن كل ما يخرج به الوكيل عن الوكالة يخرج به القاضي عن القضاء .. لا يختلفان إلا في شيء واحد، وهو أن الموكل إذا مات أو خلع، ينعزل الوكيل، والخليفة إذا مات أو خلع، لا ينعزل فضانه أو ولاته. ووجه الفرق إلى أن الوكيل يعمل بولاية الموكل وفي خالص حقه أيضا، وإذ بطلت أهلية الولاية بمونه فينزل الوكيل، والقاضي لا يعمل بولاية الخليفة وفي حقه، بل بولاية المسلمين وفي حقوقهم، وإنما الخليفة بمنزلة الرسول عنهم، فهذا لم تلحقه العهدة كالرسول في سائر العقود والوكيل في النكاح. وإذا كان رسولا كان فعله بمنزلة فعل عامة المسلمين، وولايتهم بعد موت الخليفة باقية، فيبقى القاضي على ولايته، وهذا بخلاف الخليفة أيضا إذا عزل القاضي أو الوالي ينعزل بعزله ولا ينعزل بموته، لأنه لا ينعزل بعزل الخليقة أيضا حقيقة، بل بعزل العامة لما ذكرنا أن توليته بتولية العامة، والعامة ولوه الاستبدال دلالة، انظر: الكاساني، ج 1، ص 133. لاحظ هنا أن مفهومة المسلمين والعامة» بسوي بينهما
(133) إضافة إلى المصادر المذكورة في الهامش السابق، انظر: علي عبد الرازق، الإسلام وأصول الحكم، تحقيق ممدوح حقي (بيروت: دار مكتبة الحياة، 1966) ، ص 22 - 23، والموسوعة الفقهية، و 4 مج (الكويت: دار الصفوة للطباعة والنشر، 1990) ، مج 6، ص 123 ومج 3، ص: 32.
(134) من جهة أخرى، ينتهي اختصاص وزير الحاكم لأن هذا المنصب يقوض بالمعنى الحقيقي، بمعنى أن الحاكم يعين الوزير ليساعده في مهامه التي يكلف مباشرة بها. يعني هذا أن الوزير يؤدي عمل الحاكم بالنيابة عن الحاكم، لكن ذلك لم يكن حال القاضي