الصفحة 244 من 346

العام، وكان هذا التمثيل الشعبي الذي هو في مصلحة الشعب بصورة حاسمة، قانونيا وسياسيا في الوقت ذاته، لأن إرادته المعبر عنها قانونيا كانت أيضا ملزمة سياسا

للحاكم في تعاملاته مع السكان المدنيين، وهذا القانون هو الذي كان القضاة يطبقونه، ولم يكن من صنع الدولة أو قلة من الفقهاء المبرزين، بل منظومة وضعها المئات من المتخصصين الراسخين اجتماعيا الذين ازدهروا عبر الزمان في أقاليم متباعدة ثقافيا?

لم يكن القضاء الإسلامي مكمما إذا لتطبيق قانون حددته القوى المسيطرة في دولة أو حدده حاکم متعجرف، بل مكرا

لحماية الشريعة التي اهتمامها الأول تنظيم العلاقات الاجتماعية والاقتصادية على أسس أخلاقية. وكانت الشريعة قانون الناس، كما ساعدت بالقدر نفسه في تقييد الحاكم في معاملته الشعبه، ومع أن المجتمع والشريعة هما مصدر قيم الفقهاء والقوانين التي يطبقونها، فإن هؤلاء أنفسهم يعينهم الحاكم الذي يستطيع إعفاءهم من مناصبهم وتحجيم نطاق سلطاتهم (بمعني حصرهم في الحكم في منازعات خاصة بقانون الأسرة أو القانون الجنائي أو العمل في منطقة معينة أو جزء من مدينة ... إلخ) (128) . لكن الحاكم لم يكن له أي دور على الإطلاق في عمل القاضي منذ تعيينه حتى إعفائه من منصبه. فقانون المحكمة وإجراءاتها كانت من اختصاص القاضي، واختصاص القاضي كان بأكمله تطبيق الشريعة التي تدرب عليها وكان أمينا عليها أخلاقيا وقانونيا وثقافيا

كان تعيين الحكام للقضاة يجري على أساس مفهوم التفويض. وتعود الجذور التاريخية لهذا التعيين إلى أيام الإسلام الأولى، عندما كان الخليفة يمثل السلطتين الدينية والدنيوية. وباعتباره نائبا للرسول، كان من المفترض بالخليفة أن يكون فقيها نوعا ما، وباعتباره نائبا وفقيها كان يعين القضاة. ولذلك، كان القاضي أول الأمر أمتدادا لمنصب الخليفة في ما يخص الإشراف على المجتمع وشؤونه، وفي مرحلة لاحقة، وبعد القرن التاسع الميلادي، لم بعد الخلفاء هم الحكام النافذون بل السلاطين الذين قدم أكثرهم من وسط

(128) ابن قدامة، ج 11، ص 480 - 431: ابن الحاجب، ص 462، وأبو زکريا يحي بن شرف النووي، المجموع: شرح المهذب، 23 ج (جدة: مكتبة الإرشاد، 1980) ، ج 22، ص 325

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت