كسلطة تشريعية وتنفيذية في الوقت ذاته. وقد يتوقع المرء أن يفصل في اللوائح الإدارية، عند حدوث تجاوزات، من جانب المحاكم العادية التي تحدد الانتهاك وتقرر العقوبة. بيد أن ذلك لا يجري دائما (65) ، لأن السلطة الإدارية توجه التهمة وتحكم وتنفذ في الوقت ذاته، حتى في مجال العقود. فالتوزيع الملائم السلطات في هذا السياق «لم يتحقق فط بصورة كاملة في الدولة الحديثة (66)
تتمحور الخصائص السابقة التي وصفناها في نقطتين رئيستين، الأولى أن السلطة التشريعية لا تضع كل القواعد العامة لنظام الدولة. وهي تسمى مجالس تشريعية لمجرد أنها هيئات متخصصة في وضع قواعد عامة. ثانيا، إن جانبا كبيرا من تشريع القواعد العامة والمحددة إنما يجري خارج نطاق السلطة التشريعية، أي في إطار السلطتين التنفيذية والقضائية. من هنا، تتعرض منتجات السلطة التشريعية للانتهاك من جانب التشريع التنفيذي - الذي غالبا ما يقيد القواعد التشريعية ويعيد تفسيرها. ومن جانب المراجعة القضائية التي تملك القدر ذاته من القدرة على إبطال قواعد وضعتها السلطة التشريعية. إن استقلالية السلطة التشريعية في الدولة القومية النموذجية واضحة، بيد أن استقلالها يجب أن يفهم بصورة نسبية إلى حد بعيد وفي سياق البنية السياسية. وإذا ما كانت الإرادة السيادية مجسدة في القانون، فإن السلطة التشريعية(الهيئة التي يفترض أن تشع
التعبير عن تلك الإرادة)ليست لسان حال هذه الإرادة بالمعني الكامل لهذه الكلمة. ففي ظل هذا النظام من الإرادة السيادية، تصطبغ السلطة التنفيذية، على سبيل المثال، بثنائية متناقضة: التشريع وتنفيذ ما تشرعه. وهي، في هذه الناحية، تشترك في أشياء كثيرة مع السلطة القضائية التي تمارس دورا مشابها: فهي تخلق قواعد عن طريق مبدأ السوابق القانونية، وتبطل التشريع عبر المراجعات القضائية (وهو ما يسمى «التشريع المعكوس) (67) ثم تلتفت إلى إصدار الأحكام القضائية على أساس قانون من وضعها جزئيا، وتتمادي بعدها كي تصدر العقوبات (68) .
وفي مواضع أخرى في الكتاب