الصفحة 194 من 346

في النهاية سلطته التشريعية لمصلحة البرلمان، ظلت توفر هذه الرقابة كنوع من التقليد، ولعل هذه الاستمرارية في دور المحاكم الرقابي تعني ما يزيد كثيرا على كونها مجرد تقليد، فقد تكمن الإجابة الأكمل في الإرادة السيادية المطلقة التي هي نفسها الحكم الذي يعلو على أي حكم آخر، بما في ذلك حكم القانون. ونتذكر هنا أن الإرادة السيادية لا تعرف إلا ذاتها ولا تقبل مرجعية أخرى إلا نفسها).59 وعندما يتغير تفكيرها، يتغير قانونها (60) . ويعني هذا أن وحدة الدولة كإرادة سيادية تسمح لهذه الإرادة أن تمثل حتى في موقع اعتباطي بالقوة، ألا وهو السلطة التنفيذية. وسوف تعود لاحقا إلى هذه القضية الخاصة بعدم التلاؤم بين هذا التمثيل الشامل للإرادة والحكم الديمقراطي.

غير أن هناك بعدا آخرا أقل شكلية وأكثر عمقا لقضية الاستقلال القضائي، وهو بعد وثيق الصلة بمفهوم الفصل. فكما أشار ميليباند (Miliband) ، فإن الاعتبارات الاجتماعية - الاقتصادية تزيد من اعتماد السلطة القضائية على السلطات الأخرى وكذلك على اختلاطها بها. فالقضاة في المحاكم الابتدائية والعليا ليسوا مستقلين أبدا عن عوامل مثل الطبقة والتعليم والمزايا والنقابات المهنية وأشياء أخرى كثيرة تساهم في تكوينهم الاجتماعي وولاءاتهم السياسية. وكما سنرى لاحقا، فإن النظام التعليمي، وبالتالي أشكال المعرفة الاجتماعية والأكاديمية، لا ترتبط ارتباطا وثيقا فحسب بجهاز الدولة، بل تتشكل ويعاد تشكيلها بواسطة الدولة وإرادتها الوطنية (61) . وغني عن البيان أن القضاة، نظرا إلى طبيعة مهنة القانون المحافظة بصفة عامة وبالضرورة، يدعمون مصالح الدولة بصورة روتينية، وهي غايتهم الأسمى، وما من نظام قضائي حديث يعمل خارج معايير الدولة القانونية والسياسية، بل يفرض هذا الولاء على

(59) انظر الجزء الفرعي الثاني من الفصل الثاني من هذا الكتاب.

(60) هذا هو السياق الذي كتب فيه حايك كتاية ثاقبة في كتابه

التاليين. انظر:.3

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت