يستجيب لتوغل الدولة العام في النظام الاجتماعي (70) . وإضفاء فاعلية مستقلة عن الدولة على النظام الاجتماعي، ينفي، بل يناقض كلا من جوهر الإرادة السيادية وتشعباتها، أي النظام السياسي للدولة الذي لا يعرف إلا نفسه وقانونه وبيروقراطيته وعنفه. فإذا قبلنا الحدثئية التاريخية للدولة، كما يتحتم علينا (71) يجب أن نقبل أيضا أساسها الحدثي إنما الحاضر دائما كمحل للإرادة السيادية. وكذلك، فإن إسباغ فاعلية مستقلة على المجال الثقافي ينفي التأثيرات المادية والفكرية لتلك الإرادة باعتبارها مدمرة للأشكال السابقة إضافة إلى إقرار اعتباطينها كشيء طبيعي، وكما أكد بورديو بصورة مقنعة، فإن المجالات الثقافية اتشكلها أفعال الدولة التي تضفي على الاعتباط الثقافي كل مظاهر الأمر الطبيعي من خلال تأسيس المجالات الثقافية في الأشياء والعقول» (72) .
يجب أن يفضي تفكيك هذه المظاهر إلى استنطاق المفارقة الجوهرية التي مفادها أن استقلال الثقافي يقتضي امتلاكه القدرة على إقرار تدميره الخاص، فإذا قبلنا بأن الدولة لا تعرف إلا نفسها، وأنها غاية نفسها، ولا تعرف غاية أخرى (73) ، وغير قادرة بطبيعتها على إقرار تدمير نفسها، فإن النتيجة هي أن إقرار المجال الثقافي تدمير نفسه يجعل أي زعم باستقلال الثقافي محض هراء
سوف نستكشف الفصول القادمة من الكتاب هذه الموضوعات مزيدا من الاستكشاف، إضافة إلى آثارها على بني الدولة الحديثة ومجتمعها. لكنني أود، في ختام هذا الفصل، أن أؤكد نقطتين: الأولى هي أن خصائص الشكل الخمس التي ناقشناها في هذا الفصل هي خصائص تملكها الدولة؛ أي إن ما
(70) تجدر الإشارة إلى أن المجال التعليمي - الثقافي يكرر تحول المفاهيم الثيولوجية إلى مقولات سياسية حديثة، كما رأينا في فكر شميت. وكما أكد سوريل (Sorel) ، فقد استعار الفلاسفة أفكارهم عن قدرة التعليم على تغيير المجتمع من الكتبة. وكما كان المبشرون بخرجون لتعليم الهمجي الهندي، كانت هناك، داخل أورويناء اقتراحات للعمل «تقلد الاقتراحات الكنسية كل التقليده في ما يخص تعليم عموم الأوروبيين بهدف تكوين رجالي نافعين وفضلاء، وتقومي صادقة، وقلوب نقية ومواطنين متحمسين في كل الطبقات الاجتماعية، كما صرح تورغو (Turgs)
(71) انظر القسم الفرعي الأول من هذا الفصل
(73) انظر القسم الفرعي الثاني من هذا الفصل
دع