الدولة الإنكليزية والفرنسية منذ أوائل القرن الثامن عشر. ويفترض التوغل الثقافي مسبقا تدمير وإعادة تشكيل الوحدات الاجتماعية - الثقافية التقليدية السابقة على الدولة، وهاتان، من ثم، مرحلتان متتابعتان تتجلى من خلالهما الإرادة السيادية
سبق لبعض المحللين أن بنوا بحق على الفرق بين نوعين من القوة، أولهما يتضمن قدرة فاعل ما على إجبار آخر على القيام بشيء أو الامتناع عنه، مختصرا العلاقة بينهما على نحو أحادي الجانب من الإكراه. أما ثانيهما فيولد تلقي القوة والتعاون معها من طرف الذات الخاضعة لها. هكذا، في ظل هذا النوع الثاني من القوة، فإن قدرة الدولة على العمل من خلال وحدات المجتمع المدني المتعددة تزيد استقلاليتها بفضل نجاحها في توليد أكبر قدر من الرضا الاجتماعي والثقافي. وأولئك المحللون الذين يرون في القاسم السلطة، هذا نفيا للرأي (الذي عبر عنه مايکل مان على سبيل المثال) (67 والقائل بأن سلطة الدولة تعلو على المجتمع، يقعون هم أنفسهم في المفارقة التي صنعوها، لأنهم أيضا يرون أن تقاسم السلطة هذا يزيد من الاستقلال الذاتي للدولة»(68) . وهذا النوع من التحليل الا يتشكك بما يكفي»، كما تقول عبارة بيار بورديو (69(Pierre Bourdieu) ، لأنه تفكير في الدولة من خلال الدولة. ومثل معظم العلوم السياسية، يؤدي هذا إلى إضفاء الشرعية على الدولة وجهازها الأيديولوجي في الوقت الذي ندرس فيه الدول أو نزعم دراستها. وهذا المشروع العلمي الساعي إلى إضفاء الشرعية هو المشكلة التي نتناولها: فمن خلال مدارس الدولة والتعليم الذي تنظمه قوانين الدولة (والذي بدمر الأشكال السابقة) ، تنشا نخبة علمية نموذجية ويعاد إنتاجها كمجال ثقافي
(68) المصدر نفسه، ص 14. من المحتمل كثيرا أن تكون أفكار هال (Hall) و اکتبري (Ikenhemy) حول هذه النقطة متناثرة بشدة بحقيقة أن اهتمامهما الرئيس محصور في علاقة الدولة بالاقتصاد والرأسمالية، غير أن نجاح الدولة في توليد الرضا في ما يخص السوق الحرة والملكية الخاصة، ليس مقياسا كافيا إذا قورن، مثلا، بسياسات الدولة التعليمية التي لا يمكن أن تبني على إحساس المره بالاختيار وحريته، لكن الرأسمالية، من جهة أخرى، يمكن أن تفعل ذلك.