ظاهرة قانونية أساسا، ورأى فيها شميت تجسيدا للسياسي، في حين وجدها غرامشي (Gramsci) نظاما للهيمنة، ووجد فوكو وما بعد - البنيويين أنها تخترق الثقافي وتتخلله على نحو عميق ومهم. وبعد شميت في ثلاثينيات القرن العشرين، أختفت النظرة الهيغلية إلى الأخلاقي إلى حد بعيد، وإن ظل هناك جدل كبير حول الحدود التعريفية والقيمة التحليلية للدولة. ذلك أن بعض المعلقين يعتبرون الدولة والمتغير التفسيري الأساس بوصفها فاعلا اله مصالح خاصة به لا تعكس بالضرورة مصالح المجتمع (4) . ويرى آخرون أنه لا يمكن فهم الدولة في ذاتها بل من زاوية علاقتها بالنظام الاجتماعي ضمن اسباقات اجتماعية - اقتصادية واجتماعية - ثقافية محددة 5، وينحاز آخرون إلى موقف وسط، وكثيرا ما يغلبون بعدا على آخر. وبالتالي، ليس من المبالغة القول إن عدد الأفكار حول ماهية الدولة يعادل عدد المفكرين المرموقين الذين يكتبون عنها.
تشير القراءة المتأنية لهذه النظريات المتعددة حول الدولة - باستثناء نظريات هيغل والهيغليين - إلى أن هذا الاختلاف الكبير ليس في جوهره
س وي تنوع في المنظور (perspectivism) : ذلك أن كل نظرة إنما يشكلها تبنيها المنظور معين، يميز بينه وبين المنظورات الأخرى لهذا السبب أو ذاك. ويتجسد ذلك في حالات مارکس و فيبر وكلسن وشميت، وحتى أتباع فوكو من أصحاب النظرة الأوسع نسبيا، وهكذا يمكن معالجة الموضوع بصورة توليفية، بالجمع بين منظورات عديدة في سردية متماسكة بهذا القدر أو ذاك. ويمكن أن نجلب بيروقراطي فيبر، وقانوني کلسن، وسياسي شميت، واقتصادي مارکس، وهيمني غرامشي، وثقافي فوکو کي يتركوا أثرهم جميعا على تصورنا للدولة، ولسنا مضطرين لقبول التقييدات التي يضعها أي منهم. فعلى سبيل المثال، يستطيع المرء قبول نظرية كلسن في القانون والنظرية الدستورية مع رفض الاشتراط الذي طرحه بأن يظل ذلك المجال غير ملوث بالأخلاق والسياسة والاجتماع. ومن منظورنا، فإن كلسن بقع بين نظرية شميت الخاصة
(5) المصدر نفسه.