الصفحة 104 من 346

بيد أن هناك بعدا آخر لفكرة القضاء المسبق تلك، وهي أن التاريخ برمته - وقد هدف هو نفسه إلى الإعداد لفجر الحداثة - لم يتطور بشكل كافي ولم يصبح ناضجاه بعد بحسب مفردات هيغل وكونت (Comte) . والنتيجة المنطقية المسار هذا التفكير هي أنه لا توجد خارج أوروية الحديثة وقبلها ثقافة أو احضارة أمتلكت الشرعية ذاتها والكفاءة ذاتها والتطور الأخلاقي والفكري ذاته. ومهما كانت القيمة الثقافية أو غيرها التي ربما امتلكتها تلك الحضارات، فإنها قد استهلكت خلال عملية الإعداد للهدف الأسمى الواقع خارج تلك الحضارات والمتجاوز لها. والسبيل الوحيد أمام تلك الحضارات للهروب من مصيرها كغثاء للمسيرة التاريخية، كان، وسيظل، الانضمام إلى الحضارة الحقيقية» و «الناضجة

عملت فكرة التقدم) 66، بكل تجلياتها تقريبا، على بناء التاريخ بطريقة متمركزة حول أوروبا، بعد أن توغلت في ما سماه شيلر (Scheler) بنية الهيمنة الفكرية الغربية (67) ، بل إن كوندورسيه (Condorcet) اعتبر حتى النكسات في التاريخ أخطاء، مفيدة، إذا جاز التعبير؛ أخطاء يجدر بأوروبا، سيدة كل الحضارات، أن تتعلم كيف تتجنبها 68)، وكتاب كوندورسيه المشهور حول هذا الموضوع يصدم القارئ بمضمونه، كما تصدمه فكرة كوندورسيه (على الرغم من ولائه المطلق لما يسمى بالمساواة والإخاء) التي مفادها أن كل مجتمعات الماضي، بغض النظر عن الجغرافيا والزمن، عاشت واندثرت من أجل أوروبا الحديثة وفي إطار التحضير لها).69 وخلص ماينکه (Meinecke) إلى نتيجة

(67) كما نناقش في الجزء الأول من الفصل الرابع من هذا الكتاب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت