بينما يتناول الجزءان الأول والثاني من هذا الكتاب تطور الدولة، يتصدى ألجزء الثالث لمؤسسة تقييدية المحاسبة الديمقراطية. هذا الجزء أقصر من الآخرين، ولا يعود السبب إلى أعتقادي أن الديمقراطية أقل أهمية من الجوانب الأخرى من التطور السياسي. فهو يعبر عن حقيقة أن معظم الاهتمام والانتباه قد تركز في أثناء الجيل السابق على الديمقراطية، والانتقال الديمقراطي، والانهيارات الديمقراطية، وجودة الديمقراطية، وشهدت الموجة الثالثة من الديمقراطية التي بدأت في أوائل سبعينيات القرن الماضي عدد الديمقراطيات الانتخابية في شتى أنحاء العالم يقفز من 35 إلى 120 بحلول عام 2013، ولذلك من المفهوم تماما أن قدرة كبيرة من الانتباه البحثي والأكاديمي قد كرس لهذه الظاهرة، ويمكن للقراء المهتمين بالاطلاع على التطورات الأخيرة العودة إلى عديد من الكتب المرجعية الممتازة التي ألفت عن الموضوع
سوف يعاين الجزء الثالث بدقة «الموجة الأولى» ، أي حقبة التوسع الديمقراطي الذي حدث أساسا في أوربا بعد الثورتين الأميركية والفرنسية، بدلا من التركيز على الموجة الثالثة. لم يوجد في أوربا بلد مؤهل ليكون حتى ديمقراطية انتخابية زمن انعقاد مؤتمر فيينا الذي أنهى الحروب التابليونية عام 1815. بعد ذلك، شهدت بلدان القارة كلها فعلية اندلاع ثورات عارمة عام 1948، شابهت ثورات الربيع العربي عام 2011. توضح التجربة الأوربية حجم المصاعب التي تعترض الطريق إلى الديمقراطية الحقيقية. فبعد مرور أقل من سنة على ارتفاع المد الثوري، أعيد النظام الاستبدادي القديم في كل مكان فعليا. ولم يمنح حق الانتخاب إلا تدريجيا على مدى العقود اللاحقة؛ وحتى في بريطانيا، موطن أقدم التقاليد البرلمانية، كان على الذكور البالغين من عامة الشعب انتظار عام 1929 للحصول على حق التصويت.
يعتمد انتشار الديمقراطية على شرعية فكرة الديمقراطية. إذ اعتقد معظم المثقفين وأصحاب النوايا الحسنة في القرن التاسع عشر أن «الجماهير، لا تملك القدرة على ممارسة مسؤولية حق الانتخاب. ومن ثم ارتبط نهوض الديمقراطية بانتشار الآراء والأفكار المتعلقة بالمساواة بين البشر،::.